..:: منتدى أقلام الجزائر ::..

علم معرفة علوم دروس بحوث مذكرات تخرج كتب ثقافة بيئة أسرة حواء آدم اسلاميات هوايات تجارب تصاميم ترحيب تعارف صداقة أخوة حب في الله
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ما من ثقافة تتفوق على أخرى.. ليفيناس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: ما من ثقافة تتفوق على أخرى.. ليفيناس   11/11/10, 04:15 pm

ريزارد كابوتشينسكي
6.1 التلاقي بالغريب، هذا الحدث الأساسي

ما من ثقافة تتفوق على أخرى


مرشحو الهجرة يقفزون بيأس نحو أسلاك سيوتا ومليلّة الشائكة... اضطرابات عنصريّة في سدني الاسترالية...هذه الصور الصدمة هي رموز تدلّ على تنامي الخوف والتعصب في ظل بؤسٍ اجتماعي في أمكنة كثيرة من العالم مع نهاية عام 2005. ولكن، وحدهما الحوار مع الغريب وتبادل الخبرات - بما فيها تلك في توحيد النضال ضد منظومة تقهر الناس والثقافات على السواء- كفيلان بالعزف على موسيقى الإنسانية المشتركة. هذا ضرورة في عالمنا المعاصر. وهنا يثني الكاتب والصحافي على التلاقي اعتماداً على خبرته لسنين طويلة في "العيش مع الآخر".


عندما أتأمل في رحلاتي عبر العالم - رحلات دامت العديد من السنوات-، أشعر أحياناً بأنّ الحدود والجبهات، المخاطر والعذابات المرتبطة بهذه التجوالات، لم تُثِرْ في نفسي القلق بقدر ما أثارت اللّغز، الموجود دائماً، لمعرفة كيف سيجري كلّ لقاء جديد مع "الآخرين"، مع أولئك الأشخاص الغريبين الذين سألتقي بهم طول رحلتي. لطالما علمتُ بأنّ جزءاً كبيراً، إن لم يكن مجمل الأحداث التي ستتبع، تتعلق بالطريقة التي ستحدُثُ فيها هذه اللقاءات. لذا فقد شكّلت كلّ من تلك الرحلات، بالنسبة إليّ، سلسلة من التساؤلات: كيف ستبدأ؟ كيف ستجري؟ وكيف ستنتهي؟


تلك أسئلة قديمة وعائدة لأزمنة بعيدة لدرجة أنه بإمكاننا وصفها بالأبدية. لطالما شكّل الالتقاء "بالآخر"، ببشرٍ مختلفين، التجربة الأساسية والعالمية لجنسنا. إذ يقول لنا علماء الآثار بأنّ المجموعات البشرية الأكثر بدائية لم تكن تُحصي أكثر من ثلاثين أو خمسين شخصاً كحدّ أقصى. ولو كانت هذه العائلات-القبائل أكبر حجماً، لكان من الصعب عليها التنقّل. أمّا إذا كانت أقلّ عدداً، لما كان باستطاعتها الدفاع عن نفسها ولا شنّ معركة للبقاء على قيد الحياة.

وها إنّ عائلتنا القبلية الصغيرة التي تبحث عن قوتها تلتقي بعائلة قبلية "أخرى". إنها لحظة مصيرية بالنسبة لتاريخ الكون! إنّه لاكتشافٍ مذهل! الاكتشاف بأنّ العالم مسكون من كائنات بشرية "أخرى"! حتى هذه اللحظة، كان بإمكان أيّ عضو من مجتمعنا العائلي والقبلي الصغير أن يعيش مقتنعاً أنه يعرف كافة سكان الأرض، بمجرّد معرفته لأشقائه وشقيقاته الثلاثين، الأربعين أو الخمسين... وفجأةً، يكتشف أنّ الأمر ليس كهذا على الإطلاق، وبأنّ العالم يأوي أناساً "آخرين" يشبهونه! ما العمل في وجه اكتشاف كهذا؟ ما هي ردّة الفعل؟ ما هو القرار الذي يجب اتخاذه؟ الهجوم بوحشية على الغرباء؟ تجاهلهم وإكمال الطريق؟ محاولة التعرّف إليهم وإيجاد مجال للتفاهم معهم؟ إنّ ضرورة الاختيار بين هذه الاحتمالات قد طُرِحَت على أجدادنا منذ آلاف السنين. واليوم ها هي تطرح نفسها علينا، وبالزّخم نفسه. فقد أصبح هذا الخيار أساسياً ومصيرياً. فما الموقف الذي يجب اتّخاذه في وجه "الآخر"؟ وكيف النظر إليه؟ قد يؤدّي الأمر إلى المبارزة والصّراع والحرب. إنّ الشهادات على مواجهات من هذا النوع تملأ كافة الوثائق التاريخية الممكنة أو المتخيّلة. وتؤكّد على ذلك ساحات المعارك المتعدّدة وآثار الدّمار المزروعة هنا وهناك في العالم. ويكشف ذلك عن فشل الإنسان؛ الذي لم يستطع أو لم يُرِدْ إيجاد وسيلة للتفاهم مع "الآخر". لقد استقت آداب كافة البلدان، في كافة الحقبات، وحيها من هذه المأساة وهذا الضعف البشري. وقد جعلت منه أحد مواضيعها المفضّلة التي يمكن الاشتطاط به إلى ما لا نهاية. وقد يحدث أيضاً أن تقرّر عائلتنا القبلية التي نتّبع خطواتها، بدل الهجوم والمحاربة، أن تنعزل عن "الآخرين"، أن تُغْلِقَ على نفسها، أن تتمترس. إنّ تصرّفاً كهذا يؤدّي مع الوقت إلى نشوء عمارةٍ تخدم إرادة التحصّن، كالأبراج الضخمة و أبواب بابل والمناطق المحصّنة الرومانية وسور الصين الكبير أو كحصون قبائل الإنكا الضخمة.

ولكن صدفةً توجد إثباتات، موزّعة عبر العالم، على أنّ التلاقي بين مجموعاتٍ بشرية قد شهد نهاياتٍ من نوع ثالث. فالشهادات على التعاون كثيرة جداً. فهناك بقايا لأسواق، ومرافيء بحرية ونهرية، وساحات عامة ومعابد، كلّها أماكن نجد فيها حتّى اليوم بقايا مقاعد جامعات أو مدارس قديمة. كما نجد كذلك آثار طرقات تجارية قديمة، كطرق الحرير والعنبر، أو طرق الملح والذهب الصحراوية. شكّلت هذه المنشآت أماكن للقاء؛ يلتقي فيها الناس ببعضهم ويتواصلون، يتبادلون الأفكار والبضائع، يبرمون عقودَ بيعٍ وشراء، يعقدون الصفقات، يرسون علاقات وتحالفات، يحدّدون أهدافاً متشابهة مرتكزة على قيمٍ مشتركة. حينها، لا يعود "الآخر" مرادفاً للمجهول العدائيّ وللخصم، للخطر المميت، ولا تجسيداً للشرّ. كان كلّ شخص يجد في نفسه جزءاً، مهما كان صغيراً، من هذا "الآخر"، أو على الأقلّ هذا ما اعتقده، وكان هذا الأمر يصالحه مع كافة البشر على الأرض. هكذا لطالما اعتمد الإنسان إذاً ثلاث ردّات فعل نمطيّة مختلفة في وجه "الآخر": إذ كان بإمكانه اختيار الحرب أو الانعزال وراء حائط كبير أو إرساء الحوار. وعلى مرّ التاريخ، تردّد الإنسان بين هذه الخيارات الثلاثة. وبحسب ثقافته والحقبة التي كان يعيش فيها، كان يختار إحداها. ونلاحظ بأنه كان دوماً متذبذباً في خياراته؛ إذ أنّه لا يشعر دوماً بالثقة بنفسه، ولا ترسو قدماه دوماً آمنة على الأرض. وعندما ينتهي اللقاء مع "الآخر" بالمواجهة، يؤدّي ذلك عموماً إلى المأساة والحرب. لكن الحرب لا تنتج سوى خاسرين. ذلك أنّ عدم القدرة على التفاهم مع الآخرين والتطبّع بطباعهم، تكشف عن فشل الكائن البشري وتطرح مسألة ذكاء الإنسان. إنّ رغبة البعض ببناء الأسوار الضخمة وحفر الخنادق العميقة، للانعزال عن "الآخرين"، قد سُمّي في زمننا بالتمييز العنصري (apartheid). وقد نُسب هذا المفهوم إلى النظام الأبيض الكريه في جنوب إفريقيا والذي ولّى اليوم إلى غياهب التاريخ. لكن التمييز العنصري في الحقيقة يُطبَّق منذ أزمنة بعيدة جداً. وبتعبير مُبسّط جداً، إنه عقيدة يصفها مؤيّدوها كالتالي: "بإمكان الجميع أن يعيشوا كما يحلو لهم، بشرط أن يفعلوا ذلك بعيداً عنّي، هذا إذا لم ينتموا إلى عرقي أو ديني أو ثقافتي أنا." كما لو أنّ الأمر يقتصر فقط على ذلك! الحقيقة أننا نجد أنفسنا في مواجهة عقيدة عدم مساواة بين الجنس البشري. وتعبّر أساطير وخرافات العديد من الشعوب عن القناعة بأننا "نحن" وحدنا - أعضاء عشيرتنا أو مجموعتنا- نُعَدُّ بشراً؛ أمّا كافة "الآخرين" فهم أنصافُ بشر. وتجسّد عقيدة الصين القديمة بوضوح هذا الموقف: إذ كان يُعْتَبَرُ كلّ من ليس صينياً بأنه "براز الشيطان"، أو في أفضل الأحوال، فقيرٌ حقيرٌ لم تسنح له الفرصة ليولد في الصين. لذا كان يتمّ تصوير "الآخر" بصورة كلب أو جرذ أو زواحف. ولطالما كان التمييز العنصري عقيدة كره واحتقار وازدراء "للآخر"، ذلك الغريب الغريب. وقد كانت صورة "الآخر" مختلفة جداً في زمن المعتقدات التشبيهية (anthropomorphiques)، يوم كان بإمكان الآلهة اتخاذ مظهر بشري والتصرّف كالناس. في تلك الأزمنة، لم يكن أحد يعرف إذا كان المسافر أو السائح الآتي من بعيد إلهاً أو إنساناً. ويشكل عدم التأكد هذا، وهذه الازدواجية المُحيِّرة، أحد مصادر ثقافة الضيافة التي تفرض معاملةً شهمة مع الزائر؛ زائرٌ لا يمكن تحديد هويّته
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: ما من ثقافة تتفوق على أخرى.. ليفيناس   11/11/10, 04:16 pm

كتب سيبريان نورويد البولوني، أحد "الشعراء الملعونين"، حول هذا الموضوع. ففي مقدّمة كتابه "أوديسة"، طرح تساؤلات حول أصول هذه الضيافة التي حَمَت عوليس خلال عودته إلى إيتاك. فكتب نورويد: "في هذه الأمكنة، كانوا يشكّون بأن يكون أيّ شحّاذ أو متسكّع غريب كائناً إلهياً. لم يكن وارداً سؤال الزائر قبل استضافته عن هويته؛ فقط بعد اعتباره من أصل إلهي، يمكن النزول إلى الأسئلة الأرضية. كان هذا ما يُسمّى الضيافة؛ ولهذا السبب نفسه، كانت الضيافة تشكل جزءاً من الممارسات والخصال الكريمة الأكثر تقوى. ولم يكن اليونانيون في زمن هوميروس يعرفون أبداً "آخر البشر"، فقد كان الإنسان دائماً هو الأول، أي إلهي". إنّ الثقافة التي يفهمها اليونانيون، بحسب ما يعنيه نورويد، تلقي الضوء على معانٍ جديدة للأمور، معانٍ لطيفة و صالحة. فالأبواب والبوّابات لم تكن تُستخدَم فقط لإبعاد "الآخر"، لأانها قادرة أيضاً على الانفتاح أمامه، ودعوته إلى عبورها. وما من سبب لكي تكون الطريق هي السبيل الذي يجب أن ننتظر فيه وصول فرق الأعداء، فبإمكانها أن تشكّل الطريق الذي يحمل إلينا أحد آلهتنا، مختبئاً بثيابِ سائح. بفضل تفسيراتٍ كهذه، أصبحت صورة العالم، ليست فقط أكثر ثراءً، بل أكثر ضيافةً، باستعدادات أفضل تجاه سوانا، عالم نشعر فيه بالحاجة للخروج لملاقاة "الآخر". ويُسمّي إيمانويل ليفيناس الالتقاء "بالآخر" بـ"الحدث"؛ حتى أنه يصفه بـ"الحدث الأساسي". فهو يشكّل، بحسب اعتقاده، التجربة الأهمّ، تلك التي تفتح أوسع الآفاق. وينتمي ليفيناس إلى سلالة الفلاسفة التحاوريين - أمثال مارتن بوبير، فردينان إيبنر وغابريال مارسيل- الذين طوّروا فكرة "الآخر"، بكونه كياناً فريداً من نوعه غير قابل للتقليد، من خلال مواقف تتعارض مع ظاهرتيْن ميّزتا القرن العشرين: مجتمع الجماهير، الذي يلغي خصوصيّة كل فرد؛ والأيديولوجيات المُدمِّرة والشموليّة. ويحاول هؤلاء الفلاسفة إنقاذ ما يعتبرونه القيمة المُثلى: الفرد. خوفاً من غرقها في البوتقة "الجماهيرية" أو في الديكتاتوريات المُدمِّرة للهوية الفردية، يحاولون إنقاذ الـ"أنا" الـ"أنت"، "الآخر" و"الآخرين" (ولقد أشاعوا بهذا الهدف مفهوم "الآخر" كاسم علم: للتشديد على الفرق بين الأفراد وللتفريق بين مميّزاتهم التي تخلق خصوصيّتهم، الفريدة التي لا يمكن التنازل عنها). وحظيَ هذا التيار الفكري بأهمية كبيرة؛ فكان يصقل وينقذ الإنسان، يصقل وينقذ "الآخر"، الذي يجب عليّ مواجهته - بحسب تعبير ليفيناس- ليس فقط بمساواة نفسي به بل بالحفاظ على الحوار معه، ومن واجبي أيضاً أن أكون "مسؤولاً عنه". أما بالنسبة للموقف من "الآخر" -من "الآخرين"- فيرفض هؤلاء التحاوريّون الحرب، التي يعتبرونها طريقاً تؤدّي إلى نتيجة واحدة: الدّمار. وينتقدون أيضاً اللاّمبالاة والانعزال وراء الأسوار. وينادون بضرورة الواجب الأخلاقي إلى اتّخاذ مواقف مُنفتحة للتقرّب والإبداء عن حسن النوايا. داخل هذا التيّار الفكري نفسه، يظهر شخص عالم الأنتروبولوجيا الكبير برونيسلاف مالينوفسكي (1884-1942)، القريب جداً من المواقف التي ينادي بها التحاوريّون. ويقتصر تحدّي مالينوفسكي على كيفية التقرّب من "الآخر" عندما لا يكون شخصاً فرضياً أو نظرياً، بل إنساناً من شحم ولحم ينتمي إلى عرقٍ آخر، ويتكلّم لغة أخرى ولديه إيمانٍ ونظامٍ من القيم مختلفان، ويتبع عاداته وتقاليده الخاصة وثقافته الخاصة؟ بشكلٍ عام، لقد تمّ تحديد مفهوم "الآخر" بحسب وجهة نظر الإنسان الأبيض، الإنسان الأوروبي. لكنني عندما أتمشّى اليوم في إحدى القرى الإثيوبية في وسط الجبال، تركض ورائي مجموعة من الأولاد الفرحين؛ يدلّون عليّ بإصابعهم ويصرخون: "فرنشي! فرنشي!" ما يعني بالضبط "الآخر"، "الغريب". إنه مثلٌ صغيرٌ عن عدم وجود هرميّة في العالم وثقافاته. لا شكّ أنّ الآخر يبدو غريباً بالنسبة إليّ؛ لكنّ الأمر مشابه بالنسبة له. فبالنسبة إليه، أنا هو "الآخر". بهذا المعنى، جميعنا في الهمّ سواء. فكافة سكّان الكرة الأرضية هم "آخرون" بوجه "الآخرين": أنا وجه لهم وهم وجه لي. في حقبة مالينوفسكي، (كما في القرون السابقة)، لم يكن الإنسان الأبيض، الأوروبي، يغادر قارّته إلا بهدفٍ واحد: هو الاحتلال. كان يخرج من دياره ليصبح سيّداً على أراضٍ أخرى وللحصول على عبيد أو المتاجرة أو التبشير. غالباً ما كانت تتحوّل رحلاته إلى حمّامات من الدماء، كما جرى لدى اجتياح كريستوف كولومبوس للأميركيّتيْن، تبعها حملة المستعمرين البيض الآتين من القارّة العجوز، ثمّ اجتياح إفريقيا وأستراليا، إلخ. كان مالينوفسكي يسافر في جزر المحيط الهاديء بهدفٍ مختلف تماماً: التعرّف على "الآخر"؛ هو وجيرانه، عاداته ولغته، دراسة نمط عيشه. يريد أن يراه بأمّ عينيْه واختباره بكيانه. يرغب بتجميع التجارب لكي يشهد فيما بعد عن واقعٍ معاش. ولقد أصبح هذا المشروع، مع أنه يبدو لنا للوهلة الأولى بديهياً جداً، ثورياً، بل "عالموياً" (mondoclaste اسمحوا لي بابتكار هذه العبارة)، لأنه يكشف عن موقع ضعفٍ -بدرجات مختلفة- أو بالأحرى عن ميزة تشكل جزءاً من أية ثقافة: إذ تجد كلّ منها صعوبات في فهم "الآخر". مثلاً، بعد أن وصل مالينوفسكي إلى الأرض التي ينوي دراستها -جزر تروبيران (التي تُدعى كيريوانا حالياً، في بابوازيا غينيا الجديدة)-، لاحظ بأنّه، إضافة إلى جهل البيض الذين يعيشون فيها منذ سنوات بكلّ ما له علاقة بالشعب المحلّي وثقافته، فلقد كوّنوا فكرة خاطئة عنه، مليئة بالغطرسة والاحتقار. وعلى عكس التقاليد الاستعمارية المتبعة، نصب مالينوفسكي خيمته في وسط إحدى القرى وعاش وسط الشعب المحلي. لم تكن لتجربته أية صلة بجولة تسلية. ففي كتابه "مفكّرتي بالمعنى الحصري للكلمة"، يتحدّث عن مشاكله، وعن تعاسته وإحباطه وحالات الانهيار العصبي المتكرّرة التي كانت تصيبه. إن أيّ شخص يتمّ سلخه - طوعاً أم لا- عن ثقافته، يدفَعُ الثمن غالياً. لذا من المهمّ جداً التمتّع بهويّة خاصّة ومحدّدة، وكذلك القناعة الثابتة بقوّة هذه الهويّة وقيمتها ونضوجها. هكذا فقط يستطيع الإنسان أن يواجه ثقافةً أخرى بهدوء. أما عكس ذلك، فسيميل إلى الإقفال على نفسه في مخبئه والانعزال، خائفاً من العالم المُحيط به. أضفْ أنّ "الآخر" ليس سوى انعكاس لصورته الخاصة، كما هو بالنسبة للآخر-، انعكاساً يفضحه، يعرّيه، وهي أمور يفضّل المرء عموماً تفاديها. من المهمّ الملاحظة بأنه، في الفترة الزمنية التي كانت تشكل فيها أوروبا التي ولد فيها مالينوفسكي مسرحاً للحرب العالمية الأولى، كان عالم الأنتروبولوجيا الشابّ يركّز على دراسة ثقافة التبادل. كان يدرس العلاقات بين سكّان جزر تروبيران وطقوسهم المشتركة، وسيقوم فيما بعد بعرض هذه الأبحاث في كتابه "مغامرو المحيط الهادىء الغربي" [1] (1922)، التي سيقوم من خلاله بصياغة أطروحته الهامّة جداً، مع أنها للأسف لم تُتَّبع جديّاً: "كي نستطيع أن نكوّن حُكماً يحب علينا بالتواجد هناك". وسيقترح مالينوفسكي أيضاً فكرة أخرى جريئة جداً بالنسبة لتلك الفترة: "ما من ثقافات عليا أو سفلى، هنالك فقط ثقافات مختلفة تُشْبِعُ كلٌّ بطريقتها، حاجات ورغبات أولئك الذين يتشاركونها." فبالنسبة لعالم السلالة، إنّ الفرد الذي ينتمي إلى إثنية أخرى أو ثقافة "أخرى" هو شخصٌ يوحي عبر ممارساته- إنها الحال بالنسبة لكلّ منا- ويضفي بالكرامة، وباحترامٍ للقيم المتبعة والتقاليد والعادات. كان مالينوفسكي يهيّىء أعماله لحظة ظهور المجتمع الجماهيريّ. أمّا اليوم فنحن نعيش فترة التحوّل بين المجتمع الجماهيري والمجتمع العالمي. وتسهّل العديد من العوامل هذا التحّل: الثورة الرقميّة، التطوّر المذهل للمواصلات، التسهيلات الغريبة للتنقّل وأيضاً -بالنسبة لكلّ ذلك- التغيّرات في ذهنيّات الأجيال الشابة، في مجالات الثقافة، بالمعنى الأوسع للكلمة. بماذا يمكن لكلّ ذلك أن يغير من تصرّفنا تجاه الأشخاص الذين ينتمون إلى ثقافات مختلفة؟ ماذا سيكون تأثير ذلك على علاقتي "بالآخر"؟ يتّضح أنّ الجواب على هذه الأسئلة أمرٌ ضروري، مع أننا نتحدث عن ظاهرة جارية الآن، نحن بأنفسنا منغمسون داخلها. لقد طرح ليفيناس مسألة العلاقة بيني "أنا" وبين "الآخر" ضمن إطار الحضارة التاريخية الواحدة والمتناغمة على الصعيد الإتني. ودرس مالينوفسكي القبائل الميلانيزية، في الفترة التي كانت هذه الأخيرة لا تزال تحافظ بشكل كبير على حالتها البدائية، بمعزلٍ عن العدوى اللاحقة. هذا الأمر أصبح اليوم نادراً جداً. فالثقافة تصبح يوماً بعد يوم أكثر هجينيّةً واختلاطاً وتمازجاً. هكذا رأيتُ مؤخّراً في دبي مشهداً مُعبِّراً. إذ كانت فتاة صغيرة تتمشّى على الشاطىء. لم يكن هنالك أدنى شك بأنها كانت مسلمة. فقد كان شعرها ورأسها بالكامل مُغطّييْن بحجاب إسلامي معقود بطريقة محافظة ومحكم الإغلاق لدرجة أننا لم نستطيع حتى رؤية عينيْها. لكنها كانت ترتدي في الوقت نفسه صدارة وبنطلون جينز ملتصقيْن جداً بالجسم...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: ما من ثقافة تتفوق على أخرى.. ليفيناس   11/11/10, 04:17 pm

في أيامنا، توجد مدارس فكرية في اختصاصات كالفلسفة والأنتروبولوجيا والنقد الأدبي، تُولي اهتماماً خاصاً بكافة آليات "التهجين" هذه، والتعدّدية الثقافية والاختلاط الثقافي. ويُلاحَظ ذلك خصوصاً في تلك المناطق، حيث الحدود بين الدول تفصل أيضاً بين ثقافات (كالحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك)، كذلك في المدن المختلطة الضخمة كساو باولو وسينغافورة أو نيويورك، التي تضمّ مزيجاً من الأعراق والثقافات الأكثر اختلافاً. يُقال أنّ العالم الحالي متعدّد الإثنيات ومتعدّد الثقافات، ليس بسبب ارتفاع عدد المجتمعات والثقافات، بل لأنّ صوتها أصبح مسموعاً ومستقلاً وحازماً بشكل متزايد، فارضاً الاعتراف بقيمتها الفعلية وبمكانتها على طاولة الأمم. ويشكّل النصف الثاني من القرن العشرين زمناً تخلّص فيه ثلثا سكان الأرض من وطأة الاستعمار وأصبحوا مواطنين ينتمون لدول مستقلّة. شيئاً فشيئاً، بدأ هؤلاء الأشخاص باكتشاف ماضيهم الخاص وثقافتهم وخيالهم وأساطيرهم وخرافاتهم وجذورهم وهويّتهم. ومتى اضطلعوا بهذه الاكتشافات، أصبحت مصدر افتخار شرعيّ لهم. من الآن فصاعداً، يريد هؤلاء النساء والرجال الذين كانوا مستعمرين التحكّم بمصيرهم؛ فهم لا يتحمّلون أن يُعامَلوا كأشياء بعد اليوم، كصور، كالضحايا المُستسلمين لحكمٍ أجنبي قديم. إنّ الكرة الأرضية التي سكنها، على مدّ قرون، حفنة من الرجال الأحرار وجموع ضخمة من الكائنات البشرية الرازحة تحت الاستعباد أو الرقّ، قد شهدت تزايد عدد الدول المستقلة التي حظيت بمعنى لهويّتها الخاصة ولأهمّيتها السياسية المتزايدة، كلّما ازداد عددها. وغالباً ما تصادمت هذه الظاهرة بمشاكل ضخمة وصراعات ومآسٍ وما ترتّب عن ذلك من حصيلة مُرعبة من الضحايا.

كلّ ذلك يفتح الطريق نحو عالمٍ جديد، لدرجة أنّ التجارب المكدّسة على مرّ التاريخ لا تكفي ربما لفهمه والتموضع داخله. ومهما يكن، ففي استطاعتنا وصف هذا العالم الجديد بـ"أرض الفرصة الكبرى". لكن مع بعض الشروط. إذ أن في هذا العالم الذي سيولد، سنقع في كلّ لحظة على "آخرٍ" جديدٍ سيظهر شيئاً فشيئاً من داخل الفوضى والضياع اللّذيْن يشهدهما عصرنا الحالي. يجب أن نحاولفهمه والتحاور معه. إنّ هذا "الآخر" هو وليد تلاقي التيّاريْن اللّذيْن يؤثّران على ثقافة العالم المعاصر: تيار العولمة الليبيرالية الذي يوحّد حقيقتنا، وعكسه، أي التيار الذي يحافظ على اختلافاتنا وميزاتنا و"عدم قابليّتنا للنسخ". إنّ تجربتي بالعيش لسنوات طويلة مع "آخرين"، بعيدين جداً عنا - البيض، الغربيّين، الأوروبيين-، علّمتني بأنّ الانفتاح على الإنسان الآخر هو الطريقة الوحيدة لعزف موسيقى الإنسانية المشتركة. من سيكون هذا "الآخر" الجديد؟ كيف سيكون لقاؤنا؟ ماذا سنقول لبعضنا؟ وبأية لغة؟ وهل سنتمكّن من الاستماع إلى بعضنا البعض؟ هل سيتوصّل الواحد منّا لفهم الآخر؟ هل سيعرف كلّ منا اللّحاق - بحسب تعبير جوزيف كونراد- بما "يتحدّث عن قدرتنا على السعادة والإعجاب، إن كان يتوجّه للإحساس بالغموض الذي يحيط بحياتنا، بإحساسنا بالخير والجمال والعذاب، بالشعور الذي يربطنا بالخليقة جمعاء؛ وبالقناعة الدقيقة، إنما الثابتة، بالتضامن الذي يجمع وحدة القلوب التي لا تُحصى: لهذا التضامن في الأحلام واللذة والتعاسة والشغف والأوهام والأمل والخوف، الذي يقرّب أيّ إنسان من قريبه ويجمع البشرية جمعاء، الأموات والأحياء، ثمّ الأحياء مع الذين لم يُولدوا بعد [2]" ؟





* كاتب وصحافيّ بولونيّ، من كتبه: Le N�gus (Flammarion, 1994)) Le Shah (Flammarion, 1995), Imperium (Havas Poche, 1999) et Eb�ne (Plon, 2000).






[1] ترجمه من الانكليزية إلى الفرنسية وقدمه Andr� et Simone Devyver مع تقديم مستفيض من اللورد Sir James Frazer, Editions Gallimard, 606 pages, Paris, 1963.


[2] Joseph Conrad, Le N�gre du "Narcisse" (1897), traduit de l’anglais par Robert D’Humi�res, Gallimard, Paris, 1935.



هذا النص مُقتبَس من الخطاب الذي ألقاه الكاتب في 17 حزيران/يونيو 2005، بمناسبة تقليده دكتوراه فخرية في جامعة رامون لول في برشلونة ـ اسبانيا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
ما من ثقافة تتفوق على أخرى.. ليفيناس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
..:: منتدى أقلام الجزائر ::.. :: كليات وجامعات :: كلية الآدب العربي :: الفلسفة-
انتقل الى: