..:: منتدى أقلام الجزائر ::..

علم معرفة علوم دروس بحوث مذكرات تخرج كتب ثقافة بيئة أسرة حواء آدم اسلاميات هوايات تجارب تصاميم ترحيب تعارف صداقة أخوة حب في الله
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 08:14 pm

أحلام مستغانمي ..



قلم من بلد الشهداء ..

عانق أحلامي .. وعشقي ..
وطفولتي العاطفية المتأخرة ..
كتبت للحب ..
للوطن ..
للشهداء ..
للمرأة المكبلة بآلاف القيود الشرقية الغبية ..
للسماء .. للمطر ..
فكانت ربيعاً .. وعشقاً ..وينابيع إبداع ..
.................

سأقوم هنا بنقل مقالات قامت الأديبة الرائعة بكتابتها ... ومن له أذنان للسمع ليسمع ..


















الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 08:15 pm

الســيرة الذاتية



أحلام مستغانمي كاتبةتخفي خلف روايتها أبًا لطالما طبع حياتها بشخصيته الفذّة وتاريخه النضاليّ. لن نذهبإلى القول بأنّها أخذت عنه محاور رواياتها اقتباسًا. ولكن ما من شك في أنّ مسيرةحياته التي تحكي تاريخ الجزائر وجدت صدى واسعًا عبر مؤلِّفاتها.
كان والدها "محمد الشريف" من هواة الأدب الفرنسي. وقارئًا ذا ميول كلاسيكيّ لأمثال :



Victor Hugo, Voltaire, Jean Jaques Rousseau .


يستشف ذلك كلّ من يجالسه لأوّل مرّة. كماكانت له القدرة على سرد الكثير من القصص عن مدينته الأصليّة مسقط رأسه "قسنطينة" معإدماج عنصر الوطنيّة وتاريخ الجزائر في كلّ حوار يخوضه. وذلك بفصاحة فرنسيّة وخطابةنادرة.



هذا الأبّ عرف السجون الفرنسيّة, بسبب مشاركته في مظاهرات 8 أيار 1945 . وبعد أن أطلق سراحه سنة 1947 كان قد فقد عمله بالبلديّة, ومع ذلك فإنّهيعتبر محظوظاً إذ لم يلق حتفه مع من مات آنذاك ( 45 ألف شهيد سقطوا خلال تلكالمظاهرات) وأصبح ملاحقًا من قبل الشرطة الفرنسيّة, بسبب نشاطه السياسي بعد حلّ حزبالشعب الجزائري. الذي أدّى إلى ولادة ما هو أكثر أهميّة, ويحسب له المستعمر الفرنسيألف حساب: حزب جبهة التحرير الوطني FLN .

وأمّا عن الجدّة فاطمة الزهراء, فقد كانت أكثر ما تخشاه, هو فقدان آخر أبنائها بعد أن ثكلت كل إخوته, أثناء مظاهراتفي مدينة قالمة . هذه المأساة, لم تكن مصيراً لأسرة المستغانمي فقط. بل لكلّالجزائر من خلال ملايين العائلات التي وجدت نفسها ممزّقة تحت وطأة الدمار الذيخلّفه الإستعمار. بعد أشهر قليلة, يتوّجه محمد الشريف مع أمّه وزوجته وأحزانه إلىتونس كما لو أنّ روحه سحبت منه. فقد ودّع مدينة قسنطينة أرض آبائه وأجداده. 1945

كانت تونس فيما مضى مقرًّا لبعض الرِفاق الأمير عبد القادر والمقراني بعدنفيهما. ويجد محمد الشريف نفسه محاطاً بجوٍّ ساخن لا يخلو من النضال, والجهاد فيحزبي MTLD و PPA بطريقة تختلف عن نضاله السابق ولكن لا تقلّ أهميّة عن الذين يخوضونالمعارك. في هذه الظروف التي كانت تحمل مخاض الثورة, وإرهاصاتها الأولى تولد أحلامفي تونس. ولكي تعيش أسرته, يضطر الوالد للعمل كمدرّس للّغة الفرنسيّة. لأنّه لايملك تأهيلاً غير تلك اللّغة, لذلك, سوف يبذل الأب كلّ ما بوسعه بعد ذلك, لتتعلَّمابنته اللغة العربيّة التي مُنع هو من تعلمها. وبالإضافة إلى عمله, ناضل محمدالشريف في حزب الدستور التونسي (منزل تميم) محافظًا بذلك على نشاطه النضاليالمغاربيّ ضد الإستعمار.

وعندما اندلعت الثورة الجزائريّة في أوّل نوفمبر 1954 شارك أبناء إخوته عزّ الدين وبديعة اللذان كانا يقيمان تحت كنفه منذ قتلوالدهما, شاركا في مظاهرات طلاّبيّة تضامنًا مع المجاهدين قبل أن يلتحقا فيما بعدسنة 1955 بالأوراس الجزائريّة. وتصبح بديعة الحاصلة لتوّها على البكالوريا, منأولى الفتيات الجزائريات اللاتي استبدلن بالجامعة الرشّاش, وانخرطن في الكفاحالمسلَّح. ما زلت لحدّ الآن, صور بديعة تظهر في الأفلام الوثائقية عن الثورةالجزائرية. حيث تبدو بالزي العسكري رفقة المجاهدين. وما زالت بعض آثار تلك الأحداثفي ذاكرة أحلام الطفوليّة . حيث كان منزل أبيها مركزاً يلتقي فيه المجاهدون الذينسيلتحقون بالجبال, أو العائدين للمعالجة في تونس من الإصابات.

بعدالاستقلال, عاد جميع أفراد الأسرة إلى الوطن. واستقرّ الأب في العاصمة حيث كان يشغلمنصب مستشار تقنيّ لدى رئاسة الجمهوريّة, ثم مديراً في وزارة الفلاحة, وأوّل مسؤولعن إدارة وتوزيع الأملاك الشاغرة, والمزارع والأراضي الفلاحيّة التي تركهاالمعمّرون الفرنسيون بعد مغادرتهم الجزائر. إضافة إلى نشاطه الدائم في اتحاد العمالالجزائريّين, الذي كان أحد ممثليه أثناء حرب التحرير. غير أن حماسه لبناء الجزائرالمستقلّة لتوّها, جعله يتطوّع في كل مشروع يساعد في الإسراع في إعمارها. وهكذاإضافة إلى المهمّات التي كان يقوم بها داخليًّا لتفقّد أوضاع الفلاّحين, تطوَّعلإعداد برنامج إذاعي (باللّغة الفرنسيّة) لشرح خطة التسيير الذاتي الفلاحي. ثمّساهم في حملة محو الأميّة التي دعا إليها الرئيس أحمد بن بلّة بإشرافه على إعدادكتب لهذه الغاية.

وهكذا نشأت ابنته الكبرى في محيط عائلي يلعب الأب فيهدورًا أساسيًّا. وكانت مقرّبة كثيرًا من أبيها وخالها عزّ الدين الضابط في جيشالتحرير الذي كان كأخيها الأكبر. عبر هاتين الشخصيتين, عاشت كلّ المؤثّرات التيتطرأ على الساحة السياسيّة. و التي كشفت لها عن بعد أعمق, للجرح الجزائري (التصحيحالثوري للعقيد هواري بومدين, ومحاولة الانقلاب للعقيد الطاهر زبيري), عاشت الأزمةالجزائرية يومًّا بيوم من خلال مشاركة أبيها في حياته العمليّة, وحواراته الدائمةمعها.
لم تكن أحلام غريبة عن ماضي الجزائر, ولا عن الحاضر الذي يعيشه الوطن. مما جعل كلّ مؤلفاتها تحمل شيئًا عن والدها, وإن لم يأتِ ذكره صراحة. فقد تركبصماته عليها إلى الأبد. بدءًا من اختياره العربيّة لغة لها. لتثأر له بها. فحالاستقلال الجزائر ستكون أحلام مع أوّل فوج للبنات يتابع تعليمه في مدرسة الثعالبيّة, أولى مدرسة معرّبة للبنات في العاصمة. وتنتقل منها إلى ثانوية عائشة أم المؤمنين. لتتخرّج سنة 1971 من كليّة الآداب في الجزائر ضمن أوّل دفعة معرّبة تتخرّج بعدالاستقلال من جامعات الجزائر.
لكن قبل ذلك, سنة 1967 , وإثر انقلاب بومدينواعتقال الرئيس أحمد بن بلّة. يقع الأب مريضًا نتيجة للخلافات "القبليّة" والانقلابات السياسيّة التي أصبح فيها رفاق الأمس ألدّ الأعداء.




هذه الأزمةالنفسيّة, أو الانهيار العصبيّ الذي أصابه, جعله يفقد صوابه في بعض الأحيان. خاصةبعد تعرّضه لمحاولة اغتيال, مما أدّى إلى الإقامة من حين لآخر في مصحّ عقليّ تابعللجيش الوطني الشعبيّ. كانت أحلام آنذاك في سن المراهقة, طالبة في ثانوية عائشةبالعاصمة. وبما أنّها كانت أكبر إخوتها الأربعة, كان عليها هي أن تزور والدها فيالمستشفى المذكور, والواقع في حيّ باب الواد, ثلاث مرّات على الأقلّ كلّ أسبوع. كانمرض أبيها مرض الجزائر. هكذا كانت تراه وتعيشه.

قبل أن تبلغ أحلام الثامنةعشرة عاماً. وأثناء إعدادها لشهادة الباكلوريا, كان عليها ان تعمل لتساهم في إعالةإخوتها وعائلة تركها الوالد دون مورد. ولذا خلال ثلاث سنوات كانت أحلام تعدّ وتقدّمبرنامجًا يوميًا في الإذاعة الجزائريّة يبثّ في ساعة متأخرّة من المساء تحت عنوان "همسات". وقد لاقت تلك "الوشوشات" الشعريّة نجاحًا كبيرًا تجاوز الحدود الجزائريةالى دول المغرب العربي. وساهمت في ميلاد اسم أحلام مستغانمي الشعريّ, الذي وجد لهسندًا في صوتها الإذاعي المميّز وفي مقالات وقصائد كانت تنشرها أحلام في الصحافةالجزائرية. وديوان أوّل أصدرته سنة 1971 في الجزائر تحت عنوان "على مرفأ الأيام".

في هذا الوقت لم يكن أبوها حاضراً ليشهد ما حقّفته ابنته. بل كان يتواجد فيالمستشفى لفترات طويلة, بعد أن ساءت حالته.
هذا الوضع سبّب لأحلام معاناةكبيرة. فقد كانت كلّ نجاحاتها من أجل إسعاده هو, برغم علمها أنّه لن يتمكن يومًا منقراءتها لعدم إتقانه القراءة بالعربية. وكانت فاجعة الأب الثانية, عندما انفصلت عنهأحلام وذهبت لتقيم في باريس حيث تزوّجت من صحفي لبناني ممن يكنّون ودًّا كبيرًاللجزائريين. وابتعدت عن الحياة الثقافية لبضع سنوات كي تكرِّس حياتها لأسرتها. قبلأن تعود في بداية الثمانينات لتتعاطى مع الأدب العربيّ من جديد. أوّلاً بتحضيرشهادة دكتوراه في جامعة السوربون. ثمّ مشاركتها في الكتابة في مجلّة "الحوار" التيكان يصدرها زوجها من باريس, ومجلة "التضامن" التي كانت تصدر من لندن. أثناء ذلك وجدالأب نفسه في مواجهة المرض والشيخوخة والوحدة. وراح يتواصل معها بالكتابة إليها فيكلّ مناسبة وطنية عن ذاكرته النضاليّة وذلك الزمن الجميل الذي عاشه مع الرفاق فيقسنطينة.



ثمّ ذات يوم توّقفت تلك الرسائل الطويلة المكتوبة دائمًا بخط أنيقوتعابير منتقاة. كان ذلك الأب الذي لا يفوّت مناسبة, مشغولاً بانتقاء تاريخ موته, كما لو كان يختار عنوانًا لقصائده. في ليلة أوّل نوفمبر 1992 , التاريخ المصادفلاندلاع الثورة الجزائريّة, كان محمد الشريف يوارى التراب في مقبرة العلياء, غيربعيد عن قبور رفاقه. كما لو كان يعود إلى الجزائر مع شهدائها. بتوقيت الرصاصةالأولى. فقد كان أحد ضحاياها وشهدائها الأحياء. وكان جثمانه يغادر مصادفة المستشفىالعسكري على وقع النشيد الوطنيّ الذي كان يعزف لرفع العلم بمناسبة أوّل نوفمبر. ومصادفة أيضًا, كانت السيارات العسكريّة تنقل نحو المستشفى الجثث المشوّهة لعدّةجنود قد تمّ التنكيل بهم على يد من لم يكن بعد معترفًا بوجوده كجبهة إسلاميّةمسلّحة.



لقد أغمض عينيه قبل ذلك بقليل, متوجّسًا الفاجعة. ذلك الرجل الذيأدهش مرة إحدى الصحافيّات عندما سألته عن سيرته النضاليّة, فأجابها مستخفًّا بعمرقضاه بين المعتقلات والمصحّات والمنافي, قائلاً: "إن كنت جئت إلى العالم فقط لأنجبأحلام. فهذا يكفيني فخرًا. إنّها أهمّ إنجازاتي. أريد أن يقال إنني "أبو أحلام" أنأنسب إليها.. كما تنسب هي لي".
كان يدري وهو الشاعر, أنّ الكلمة هي الأبقى. وهيالأرفع. ولذا حمَّل ابنته إرثًا نضاليًا لا نجاة منه. بحكم الظروف التاريخيّةلميلاد قلمها, الذي جاء منغمسًا في القضايا الوطنيّة والقوميّة التي نذرت لها أحلامأدبها. وفاءًا لقارىء لن يقرأها يومًا.. ولم تكتب أحلام سواه. عساها بأدبها تردّعنه بعض ما ألحق الوطن من أذى بأحلامه ..


................
كتبها شقيق الكاتبة .. مراد مستغانمي ..


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 08:18 pm

1- أطلق لها اللحى




لو لم تكن الصورة تحمل أسفلها خبراً عاجلاً، يعلن وقوعه في قبضة “قوات التحرير”، ما كنا لنصدِّق المشهد.


أيكــون هــو؟ القائد الزعيم الحاكم الأوحد، المتعنتر الْمُتجبِّـر، صاحب التماثيل التي لا تُحصى، والصور التي لا تُعدّ، وصاحب تلك القصيدة ذات المطلع الذي غدا شهيراً، يوم ظهر على الشاشة عند بدء الحرب الأميركية على العراق، مطالباً بوش بمنازلته.


أيكون صاحب “أطلق لها السيف لا خوف ولا وجل”، قد “أطلق لهااللحية”، بعد أن خانه السيف وخذله الرفاق، ولم يشهد له زُحل سوى بالحمق والجريمة ؟ أكان هو ؟ ذلك العجوز مُتعــب الملامح، المذعور كذئب جريح، فاجأه الضوء في قبو، هو بشعره المنكوش ولحيته المسترسلة، هو ما عداه، يفتح فكّيه مستسلماً كخروف ليفحص جندي أميركي فمه. فمه الذي ما كان يفتحه طوال ثلاثين سنة، إلاّ ليعطي أمراً بإرسال الأبرياء إلى الموت، فبين فكّيه انتهت حيوات ثلاثة ملايين عراقي.



أكانت حقاً تلك صورته؟ هو الذي ظلّ أكثر من ثلاثة عقود، يوزع على العالم سيلاً من صوره الشهيرة تلك، في أزيائه الاستعراضية الكثيرة، وسيماً كما ينبغي لطاغية أن يكون، أنيقاً دائماً في بدلاته متقاطعة الأزرار، ممسكاً ببندقية أو بسيجار، مبتهجاً كمالو أنه ذاهب صوب عرس ما. فقد كان السيد القائد يُزفّ كل يوم لملايين العراقيين، الذين اختاروه في أحد تلك الاستفتاءات العربية الخرافية، استفتاءات “المئة في المئة” التي لا يتغيّب عنها المرضى ولا الموتى ولا المساجين ولا المجانين ولاالفارُّون، ولا حتى المكوّمون رفاتاً في المقابر الجماعيّة. وكان الرجل مقتنعاً قناعة شاوشيسكو، يوم اقتيد ليُنفّذ فيه حكم الشعب، هو وزوجته، رمياً بالرصاص، إنه “معبود الجماهير”، هو الذي بدأ حياته مُصلِّح أحذية قبل أن يصبح حاكماً، وتبدو عليه أعراض الكتابة والتنظير.



وبالمناسبة، آخر كتاب كتبه السيد القائد، كان رواية لم يتمكّن من نشرها، وهي تتمة لـ”زبيبة والملك”. وكان عنوانها “اخرج منها أيها الملعون”. ولا يبدو أنها أفادته في تدبُّـر أمره والخروج من الكارثة التي وضع نفسه فيها، مُورِّطاً معه الأُمّـة العربية جمعاء. فرصته الوحيدة، كانت في النصيحة التي قدّمها إليه الشيخ زايد، بحكمته الرشيدة، حين أشار عليه بالاستقالة تفادياً لمزيد من الضحايا والأضرار، التي ستحلّ بالعراق والأُمة العربية. وأذكر أن وزيرخارجيته أجاب آنذاك في تصريح خالٍ من روح الدعابة “الرئيس صدام حسين لا يستطيع اتخاذ قرار بالتخلي عن ملايين العراقيين الذين انتخبوه بقناعة ونزاهة”. في هذه الأُمّـة التي لا ينقصها حُكّام بل حُكماء، كانت الكارثة متوقعة، حتى لكأنها مقصودة. وبعد أن كان العميل المثالي، أصبح صدّام العدو المثالي لأميركا، وعلى مرأى من أُمّة، ما كانت من السذاجة لتحلم بالانتصار على أميركا، ولكن كانت من الكرامة بحيث لن تقبل إلاّ بهزيمة منتصبة القامة تحفظ ماء وجهها.





حملة النظافة” ستستمرطويلاً، في هذه الحرب، التي تقول أميركا إنّ أهدافها أخلاقية. ومهما يكن، لا نملك إلاّ أن نستورد مساحيق الغسيل ومواد التنظيف من السادة نظيفي الأكفّ في البيت ناصع البياض في واشنطن.


من بعض فجائع هذه الأُمة، فقدان حكامها الحياء. إنه مشهدالإذلال الأبشع من الموت.

ومن مذلّة الحمار... صنع الحصان مجده


.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 08:20 pm

2- أدب الشغّالات




حتمـاً، ثـمَّـة سرٌّ ما . ذلك أني ما أحضرت شغّالة، من أيّ جنسية كانت، إلاّ وبدت عليها أعراض الكتابة، بدءاًبتلك


الفتاة المغربية القروية، التي كانت تقيم عندي في باريس، لتساعدني علىتربية الأولاد، فوجدتُ نفسي أُساعدها على كتابة رسائل حبّ لحبيبها. ومن أجل عيونالحبّ، لا من أجل عينيها، كنت أُنفق كثيراً من وقتي لأجعل منها فتاة "شاعرة" ومُشتهاة، حتى انتهى بي الأمر، إلى العمل "زنجيّة" لديها، بكتابة رسائل حبّ لحبيبهانيابة عنها! خديجــة، التي كنت "زنجيتها"، حسب التعبير الفرنسي، والكاتبة التيتختفي خلف أحاسيسها وقلمها، كانت في الواقع فأرتي البيضاء، ومختبراً لتأمُّلاتيالروائية. أُمِّـي كانت تحلف بأغلظ الأَيمَان بأنّ الفتاة سَحَرَتني، حتى إننيمنحتها أجمل ثيابي، وكنت أعيرها مصوغاتي وحقائب يدي لمواعيدها العشقية، وأبذل منالجهد والعناء في تحويلها من فتاة كانت قبلي تغسل ثيابها على ضفاف النهر، إلى فتاةمن هذا العصر، أكثر مما كانت تُنفق هي من وقت في الاهتمام بأَولادي. ذلك أنَّ البنتذات الضفائر البدائية الغليظة، ظهرت عليها مع عوارض حُـبٍّ باريسي لشاب سوري، أعراضالكتابة الوجدانية في سذاجة تدفُّقها الأوّل. وأخشى إنْ اعترفت بأنني كنت أيامإقامتها عندي أكتب "ذاكــرة الجســد"، أن يستند أحدهم إلى مقالي هذا، مُلمِّحاً إلىاحتمال أن تكون شغّالتي مَن كَتَبَت تلك الرواية، نظراً إلى كونها الوحيدة التي لمتنسب إليها الرواية حتى الآن.


عندما انتقلت إلى بيــــــروت، بَعَثَ لي اللَّــه، سيِّـدة طيِّبة وجميلة، من عمري تقريباً، جَمَعَت، على الرغم من مظهرهاالجميل، إلى مُصيبة الفقــر، لعنة انقطاعها باكراً عن التعلُّم. لـــــذا، ماجالستها إلاّ وتنهَّدت قائلــة: "كم أتمنَّى لو كنت كاتبة لأَكتُب قصَّتي". وراحـــت تقصُّ علـيَّ مآسيها، عساني أستفيد منها روائياً، وربما سينمائياً، نظراًإلى ما تزخر به حياتها من مُفاجآت ومُفاجعات مكسيكية. ماري، التي كانت تَجمَع كل مافاض به بيتي من مجلات، وواظبت على القراءة النسائية بفضلي، مازالت منذ سنوات عـدَّةتتردَّد علـيَّ في المناسبات، ولا تُفوِّت عيــداً للحُبِّ إلاَّ وتأتيني بهدية. فيآخر عيــد للحب أهدتني دفتـراً ورديـاً جميلاً لكتابة المذكرات، مرفوقاً بقلم لهغطاء على شكل قلب، وكتبت على صفحته الأُولى كلمات مؤثِّـرة، بشَّـرنـي زوجي عنداطِّلاعه عليها بميلاد كاتبة جديدة!


جاءت "روبــا"، وهو اسم شغّالتيالسريلانكية التي عرف البيت على أيامها، العصر الذهبي لكتابة الرسائل واليوميات. فقد استهلكت تلك المخلوقة من الأوراق والأقلام، أكثر ممّا استهلكنا عائلياً جميعنا،كتّابـاً وصحافيين.. وتلاميذ. وكنت كلَّما فردت أوراقي وجرائدي على طاولة السفرة،جاءت "روبـــا" بأوراقها وجلست مقابلة لي تكتب(!)، وكان أولادي يَعجبون من وقاحتها،ويتذمّرون من صبري عليها، بينما كنت، على انزعاجي، أجد الْمَشهد جميلاً في طرافته. ففي بيت عجيب كبيتنا، بدل أن تتعلَّم الشغّالة من سيدة البيت طريقة "حفر الكوسة" و"لف الملفوف" وإعداد "الفتُّوش"، تلتحق بـ"ورشة الكتابة" وتجلس بجوار سيِّدتها،مُنهمكة بدورها في خربشة الأوراق.


وعلى الرغم من جهل زوجي للغة "الأوردو" و"السنسكريتية"، فقد كان أوّل مَن باركَ موهبة الشغّالة، واعترف بنبوغها الأدبي،إلى حدِّ تساهله معها في ما لا تقوم به من شؤون البيت، بحُكم وجودها معنا، على مايبدو، لإنجاز كتابها، واعتبار بيتنا فندقاً للكتابة من تلك الفنادق التي تستضيفالكُتّاب على حساب مؤسسات لإنجاز أعمالهم الأدبيّة. حتى إنه أصبح يناديها "كوماري"،على اسم الكاتبة السريلانكية الشهيرة "كوماري جوديتا"، التي كانت آنــذاك مُرشَّحةلرئاسة "اليونسكو"، وراح يُحذِّرني مازحـــاً من أن تكون البنت مُنهمكة في كتابةمُذكّراتها عندنا، وقد تفشي بكثير من أسراري، وتصدر كتابها قبل كتابي، وقد تصرُّعلى توقيعه في معرض بيروت للكتاب، أُسوة بالشغّالة السريلانكية التي تعمل عندالفنان الراحل عارف الريس، التي كانت تقوم نهاراً بأشغال البيت، وترسم سرّاً فيالليل، مستفيدة من المواد المتوافرة في مرسم سيِّدها. و كانت عَظَمَة عـــــارفالريس، في تبنِّي موهبة شغّالته، بدل مُقَاصصتها بدل سرقة بعض أدواته، بل ذهب إلىحدِّ إقامة معرض فني لها، تـمَّ افتتاحه برعاية سفير سريلانكا في لبنان.


ولوأنّ أُمِّـي سمعت بتهديدات زوجي لي، بأن تسبقني الشغّالة بإنجاز كتابها، لردَّدتمَثَلَها الجزائري الْمُفضّل "العود اللي تحقــرُو هـــو اللّــي يعميــك". وهو ماكان يعتقده إبراهيــم الكونــي، حين قال "خُلق الْخَدَم ليثأروا منَّا، لاليخدمونا".


أمَّـا مناسبة هذا الحديــث، فعودة ظهور الأعراض إيّاها، علىشغّالتي الإثيوبية، التي لا تكتفي بتقليد ملابسي وثيابي، ومُتابعة نظام حميتي،واستعمال كريماتي، بل وتأخذ من غرفتي أوراقي وأقلامي، وتختفي في غرفتها ساعاتطويلة، لتكتب.


أخشى أن تكون مُنهمكة في كتابة: "الأَسوَد يَليق بكِ"!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 08:21 pm

3- أقلام للقلب.. وأُخرى للجيب




نسيت أنأقول لكم، إنني كتبت مقالي السابق عن الجزائر، بقلم طُبع عليه بالفرنسية عبارة “بوتفليقة في قلبي”· فقد طاردتني الحملة الانتخابية حتى الطائرة العائدة بي منالجزائر إلى بيروت، ولم أجد وأنا محجوزة مدة أربع ساعات، سوى قلم أهداني إيّــاهأحد أنصار بوتفليقة، عندما زرت صديقتي خالدة مسعودي، وزيرة الثقافة والاتصال، فيزيارة ودِّية لرفع العتب قبل مغادرتي الجزائر بيوم·
خالدة الرائعة، والمناضلةالشهيرة بتاريخ تصدِّيها للمتطرفين، الذين أحلُّوا دمها، وأرغموها لسنوات علىالدخول في الحياة السرية، هي بثقافتها وشجاعتها السياسية، الفرس البربري الجامح ،الذي راهن عليه بوتفليقة لكسب ثقة اليساريين والبربر والنساء بورقة واحدة·
إنها،بأصالتها وبساطتها، لا تشبه إلا نفسها ·· بشعرها الأشقر الرجالي القصير، وبملامحأُنثوية جميلة، وبتلقائية وحماسة تفتقدهما عادة النساء حال جلوسهن على كرسي رسمي· فهي لا ترتدي تاييراً سوى في المناسبات· وتفعل ذلك بأناقة أوروبية “عمليّة” من دونبهرجة أو تشاوف· لا يزعجها أن تكون كفّاها مُطرّزتين بالحناء في كل مناسبة دينية،وبهما تكتب مرافعاتها ومحاضراتها السياسية، التي تُمثل بها الجزائر بتفوق فيالمحافل الدولية، بلغة فرنسية راقية، ما عاد يتقنها الفرنسيون أنفسهم·
لكنها، مذشغلت مناصب سياسية كثيرة، أحدها ناطقة باسم الحكومة، رفعت خالدة تحدِّي اللغةالعربية، وأصبحت تتحدث الفصحى بطلاقة·
مدير مكتبها قال لي مازحاً وهي ترغمنيبمودَّة على مُرافقتها إلى قصر الثقافة لتدشين معرض “جمعية الأمل لترقية وحمايةالمرأة والطفولة”: “إنها امرأة دائمة الركض·· أكثر عدوَاً من العدّاءة حسيبةبومرقة” (الجزائرية حائزة الميدالية الذهبية في العدوِ)أتركها تسبقني بخطواتمُراعاة لمنصبها، لكنها تعود وتبحث عني لتُقدمني بفخر لنساء أنصاف أُميّات،يستقبلنها بالزغاريد، ويأخذن معنا صوراً تذكارية ·· هـنّ البائسات اللائي فقدنبيوتهن في الزلازل، واللائي أوجدت لهن جمعيات وتظاهرات تمكّنهن من بيع منتجاتهناليدوية وإعالة عائلاتهن· تضمّهن واحدة واحدة·· تقبّلهن بمودَّة وصبر· توشوشني: “لابد من دعمهن· العمل أشرف لهن من مدّ أيديهن إلى الدولة أو إلى أزواجهن”·
عدنامُحمَّلتين بالورود، وبهدايا رفضتُ بمحبّة معظمها مُراعاة لحاجة مُقدِّماتها · لكننياحتفظت بالأقلام، ونسيت أن أعطيها أُمي التي كانت سعيدة بأن تعيش أوّل حملةانتخابية على الطريقة الأميركية· فراحت تجمع كل ما لهُ علاقة بمرشحها المفضّلبوتفليقة، من قمصان وقبّعات وشارات، تقوم بتوزيعها بدورها على السائق، وأبناء أخيومَن يزورنا من شغِّيلة·
وأنا أكتب في الطائرة مقالي بذلك القلم الذي عليه عبارة “بوتفليقة في قلبي”، تذكّرت الدكتور غازي القصيبي الذي قال لي مرّة “إنّ مَن يهديكاتباً قلم حبر كمن يهدي فرّاناً ربطة خبز”· وكنت يومها أشكو إليه إصرار بعضقارئاتي الثريات، على إهدائي أقلاماً فاخرة، يعادل ثمن بعضها تكاليف طباعة كتاب، مندون أن تكون تلك الأقلام قادرة على إلهامك نصّاً جميلاً، لكونها في حلّتها الذهبيّةتلك، لم تُخلَق سوى لتوقيع الصفقات والشيكات، ما جعلني أحتفظ بها في درج خاص لمجرّدالذكرى، لكوني لا أعرف الكتابة سوى بأقلام التلوين المدرسيّة التي تُباع في علبة مناثني عشر قلماً، لا أستعمل منها سوى أربعة ألوان· ونظراً إلى سعرها الذي لا يتجاوزالثلاثة دولارات، فأنا أُلقي ببقية الأقلام في سلَّة المهملات·
وبالمناسبة، أجملقلم أحتفظ به أهداني إيّــاه الدكتور غـــازي القصيبي، في التفاتة جميلة من كاتبيدري أن القلم المستعمل، ذا “السوابق الأدبيّة”، أثمن من أقلام “بِكْر” لم تقترنبيد كاتب، وأن إهداء كاتب كاتباً آخر قلمه الشخصيّ هو أعلى درجات المودّة والاعترافبـ”قلم” الآخر·
لكن المحرج بالنسبة إلى كاتب، أن يكتب بقلم طُبع عليه اسم رئيس،حتى وإن كان ذلك الرئيس صديقاً منذ ثلاثين سنة، ومكانه في القلب حقّــاً·
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:02 pm

4- أَكلّ هَذَا الدَّم.. لإسكات قَلَم؟



أعذر مَن لم يسمع منكم بسمير قصير قبل الخبر الْمُدوِّي لموته. فسميرما كان نجم الشاشات، ولا ديك الفضائيات. لم يُشارك في مسابقة للغناء، لم يصل بعدحملة (sms) إلىالتصفيات النهائية في “ستار أكاديمي”. كان أكاديمياً مُتعدِّدالهواجس والثقافات. كان أستاذاً جامعياً يُحرِّض الأجيال الناشئة على الانتماء إلى حزب الحقيقة. لذا، أزعجتهم حِبَالُــه الصوتيّة.


لم يحاول أن يكون يوماً “سوبرستار” العرب. هو الفلسطينيُّ الأب، السوري الأُم، اللبنانيّ الْمَذهَب والقلب، ماكان ليدخل منافسة تلفزيونيّة تحت رايــة واحدة، فلم يؤمن بغير العُروبـــة علماًوقَدَراً. لـــــذا، لم يترصّد أخباره المعجبون، بل المخبرون، ولم تتدافعالْمُراهقات للاقتراب منه وأخذ صور له حيثما حلَّ، بل كانت أجهزة الأمن تتكفّل بكلّذلك. الفتى العربي الْمُتَّقد الذكاء، الذاهب عُمقاً في فهم التاريخ، ما كان حنجرة،كان ضميراً. لــــذا، لم يقف أمام لجنة تحكم على صوتــه، بل كان يدري منذ البدء أنّرجالاً في الظَّلام يحاكمونه كظاهرة صوتيّة في زمن الهمس والهمهمات.


الفتى العربي الوسيم، النقيّ، النبيل، المستقيم، في كل ما كتب، ما كان حبره الذي يسيل، بلدمه.


اعتاد أن يرفع صوته على نحو لا رجعة عنه، على الرغم من علمه أنّ للصوتالعالي عندما يرتفع خارج الطبقات الصوتيّة للطرب ثمناً باهظاً. ففي حوار المسدّس والقلم، المقالات الناريّة يردُّ عليها بالنار.


كان عليك أن تُغنِّي يا صديقي .. فتَغنَى، وتستغني عمّا عرفت من ذُعر الكاتب الْمُطارَد، أن تكون هدفاً إعلامياً بدلأن تغدو رجلاً مُستهدَفاً، أن تستخدم وسامتكَ في طلّة إعلانيّة لبيع رغـــوة للحلاقة، أو الترويج لعطر جديد، بدل استخدام أدواتك الثقافية والْمَعرفيّةلِمُقارعــة القَتَلَــة. تأخَّــر الوقت لأقنعك ألاَّ تبصم بدمك على كلّ ما تكتب،فتسقط مُضرجاً بحبرك. يا هذا الحصان الجَامح لا حصانة لك. الكاتب كائن أعزل لايحتمي سوى بقلم.


أَكلّ هَذَا الدَّم.. لإسكات قلم؟ وكلّ هذه المتفجرات المزروعةتحت مقعدكَ.. فقط لأنكَ رفضت أن تجلس يوماً على المبــــادئ؟


صاحــب “القلم الوسيم” سقط في موكب من مواكب الموت اللبناني.


سَقَطَ، وما نَفع كلُّ هذا المجدالْمُتأخِّـــر، لموت يغطِّي الصفحات الأُولى للصحافة العالمية؟ ما زهو صور لم يجفّدم صاحبها، تتقاسم على جدران بيروت حيِّـزاً كان محجوزاً للمطربين، وغَـدَا حكراًعلى الْمُنْتَخبِين والْمُقَاولِين السياسيين وصائــــدي الصّفقَــات؟


هوصائــد الكلمات، ماذا يفعل بينهم، وهو الذي عندما كان حيَّــاً ما كان ليمد يدهليُصافح بعضهم؟ وما نفع إكليل البطولة على رأس ما عاد رأسه مذ ركب سيارته وأدار ذلكالْمُحرِّك، فتطاير دمه، وتناثرت أجزاؤه لتتبعثَر فينا؟


القَتَلَـــة يقرأونالآن أخبار نَـعْـيِـهِ بعدما أسكتوه، وصنعوا من جثته عِبْـرَة انتخابية لنصرة “حزب الصّمت”، يبتسمون لكلّ هذا الرثــــاء أثناء حشو مسدّساتهم بـ”كاتم الصوت”. صَمَتَالقلم الوسيم”، تاركاً لنا عالماً من البشاعة والذعر من المجهول، بينما نحنُمنهمكون في الْمُطالَبَـة بحقيقة جديدة تحمل رقم الشهيد الجديد. القَتَلَة يبتسمون مستخفِّين بمطالبنا، واثقين بجبننا.


ذلك أنّ للحقيقة “كلاب حراسة” تسهر على سرّها. وحدهم حرّاس القيم لا حارس لهم إلاّ الضمير، الضمير الذي كان سبباً فياستشهاد سميــر قصيــر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:03 pm

5- إلى إيطاليا.. مع حبي





في رومــــا، تذكّرت أغنية الراحلة ميلينا مركوري، التي كانت في تشرُّدها النضالي تغنّي “حيث أُسافر تجرحني اليونان”، قبل أن تصبح وزيرة للثقافة في اليونان الديمقراطية·


مثلها، ما سافرت إلى بلد إلاّ وجرحتني هموم العروبة· وكنت جئت إلى روما، لحضور الحفل الذي قدّمته بنجاح كبير صديقتي المطربة الملتزمة جاهدة وهبي، فيقاعة “بيو” الضخمة، التابعة لحاضرة الفاتيكان، وذهب ريعه لبناء مستشفى لأطفال الناصرية·


كان أهالي الجنود الإيطاليين الذين سقطوا في الناصرية، مُتأثرين ومُؤثرين في حضورهم إلى جانب أبناء الجالية العربية· فبعض أمهات وزوجات الجنودالقتلى لم يخلعن حدادهن منذ عدة أشهر، لكنهن، على الرغم من ذلك، واصلن تضامنهن معالشعب العراقي، لاعتقادهن أنَّ أبناءهن ذهبوا بنوايا إنسانية، لا في مهمة عدوانية كما خطَّط لها بعد ذلك البنتاغون·


إحدى أرامل الحرب، أبدت أُمنيتها لزيارة الناصرية، المدينة التي دفع زوجها حياته ثمناً “لإعادة البسمة إلى أبنائها”·


أما فكرة الحفل، فقد ولدت من تصريح شقيق أحد الجنود الضحايا، غداة مقتل أخيه، حين قال: “مَن يريد تقديم تعازيه لي·· ليواصل جمع المال من أجل الأطفال الذين كان أخي يقدِّم لهم العون”·


وقد نقلت وسائل الإعلام الإيطالية، آنذاك، قصة ذلك الجندي القتيل،الخارج لتوِّه من الفتوَّة، الذي درج على تناول وجباته الغذائية برفقة عدد من الأطفال العراقيين، واعتاد أن يقتطع من مصروفه مبلغاً يوزعه عليهم·


بعد موته،اكتشف الأطفال الذين ظلُّوا يترددون على مواقع العسكر، أن الجنود ليسوا جميعهم ملائكة، فقد غدت طفولتهم وجبة يومية للموت الأميركي الشَّـره·


بعد ذلك الحفل،أخذتْ إقامتي في روما منحىً عراقياً لم أتوقعه· أسعدني اكتشاف مدى حماسة بعض الإيطاليين للقضايا العربية، بقدر ما آلمني ألاَّ يجد هؤلاء أي سند، ولا أي امتنان من الجهات العربية في روما، أو من العرب أنفسهم، الذين لا يدلّلون ولا يسخون إلاّعلى أعدائهم·


واحدة من هؤلاء الإيطاليين الرائعين، الجميلة ماورا غوالكو، التي اعتادت الحضور إلى لبنان كل 16 أيلول، مع وفد من الإيطاليين اليساريين الصحافيين في معظمهم، الناشطين في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، وذلك لإحياء الذكرى المأساوية لمذابح صبرا وشاتيلا، “ماورا” قالت لي بأسى، إنها ستتخلّف لأوّل مرّة منذ خمس سنوات عن هذا الموعد، لأنها ستضع مولودها في أيلول المقبل· ولكن رفاقها سيحضرون ليضعوا وروداً على مكان المذبحة، الذين فوجئوا عندما زاروه لأول مرة، بأنه تحوَّل إلى محل لرمي النفايات، فقاموا بتنظيفه بأنفسهم· وعندها استحت بلدية الغبيري، ووضعت شاهداً تذكارياً على ذلك المكان·


المستشرقة الصديقة إيزابيلا دافليتو، نموذج آخر للإيطاليين الذين يكافحون لتجميل صورة العرب· فهي تحاول بمفردها منذ سنوات، إنقاذ سمعة الأدب العربي، والإشراف على ترجمة أهم الأعمال الأدبية، في سلسلة تصدر عن دارنشر “مناضلة” على الرغم من برجوازية صاحبها المحامي المسنّ، ما جعلني أتردّد في المطالبة بحقوقي، من ناشر تورَّط في حُب عربي مُفلس·


كما يقوم عدَّة مثقفين موالين للعرب، بتنظيم ندوات فكرية أو سياسية، كتلك التي دُعيت إليها في مركزبيبلي”، التي كانت مُخصصة للعراق، وألقيتُ خلالها نصاً شعرياً عن بغداد، تمت ترجمته للإيطالية·


إيزابيلا دعتني، رغم مشاغلها، إلى عشاء في بيتها، دعت إليه على شرفي ناشري والبروفيسور وليام غرانارا، الأستاذ في جامعة هارفارد، والمستشرق الأميركي، الذي احتفظ بوسامة أصوله الإيطالية، وبحبِّه الأدب العربي·· ومشتقاته·


وليام، الذي سبق أن التقيته في مؤتمر في القاهرة، اقترح دعوتي إلى أميركا لموسم دراسي ككاتبة زائرة، وناقشني بفصاحة مدهشة في رواياتي·· لكن من الواضح أنه لم يقرأ مقالاتي·


لقائي الأكثر حرارة·· كان مع المخرج التلفزيوني داريو بلّيني، الذي سبق أن شاهدت له في مركز “بيبلي”، شريطاً وثائقياً عن بغداد، أبكى معظم الحاضرين، وهو يعرض يوميات العذاب والموت والإذلال، التي يعيشها العراقيون على أيدي جيش “التحرير” الأميركي·


داريــو، الذي أُعجب بقصيدتي عن العراق، طلب مني أن يُصوّرها على شكل “كليب” لبرنامج ثقافي فـي التلفزيون الإيطالي·


وهكذا قضيت آخر يوم برفقته، ورفقة الشاعرة ليديا فيلو، نُصوِّر القصيدة باللغتين، بعضها في بيت موسوليني، والبعض الآخر وسط المظاهرات العارمة، التي كانت يومها تجتاح شوارع روما،مندِّدة بالحرب الأميركية على العراق·


إيطاليــــا العظيمة، لم تنجب فقط النصّابين والمافيوزي·· ومرتزقة الحروب، لقد أنجبت أيضاً مَن يعطون درساً في الإبداع ·· وفي الإنسانية·
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:04 pm

6- جوارِبُ الشرفِ العربي


لا مفرّ لك من الخنجر العربيّ، حيث أوليت صدرك، أو وجّهت نظرك. عَبَثاً تُقاطِع الصحافة، وتُعرِض عن التلفزيون ونشرات الأخبار بكلّ اللغات حتى لا تُدمي قلبك.
ستأتيك الإهانة هذه المرّة من صحيفة عربية، انفردت بسبق تخصيص ثلثي صفحتها الأُولى لصورة صدّام وهو يغسل ملابسه.
بعد ذلك، ستكتشف أنّ ثَـمَّـة صوراً أُخرى للقائد المخلوع بملابسه الداخلية ، نشرتها صحيفة إنجليزية “لطاغية كَرِهْ، لا يستحقّ مجاملة إنسانية واحدة، اختفى 300ألف شخص في ظلّ حكمه”.
الصحيفة التي تُباهي بتوجيهها ضربة للمقاومة “كي ترى زعيمها الأكبر مُهاناً”، تُهِينكَ مع 300 مليون عربيّ، على الرغم من كونك لا تقاوم الاحتلال الأميركي للعراق إلاّ بقلمك.. وقريباً بقلبك لا غير، لا لضعف إيمانك، بل لأنهم سيكونون قد أخرسوا لسانك. هؤلاء، بإسكات صوتك، وأولئك بتفجير حجّتك ونسف منطقك مع كلِّ سيارة مفخخة.
تنتابك تلك المشاعر الْمُعقَّدة أمام صورة القائد الصنم، الذي استجاب اللّه لدعاء “شعبه” وحفظه من دون أن يحفظ ماء وجهه. وها هو في السبعين من عمره، وبعد جيلين من الْمَوتَى والْمُشرَّدين والْمُعاقِين، وبعد بضعة آلاف من التماثيل والصور الجداريّة، وكعكات الميلاد الخرافيّة، والقصور ذات الحنفيّات الذهبيّة، يجلس في زنزانة مُرتدياً جلباباً أبيض، مُنهمِكاً في غسل أسمال ماضيه و”جواربه القذرة”.
مشهد حميميّ، يكاد يُذكّرك بـ”كليب” نانسي عجرم، في جلبابها الصعيدي، وجلستها العربيّة تلك، تغسل الثياب في إنــاء بين رجليهــا، وهي تغني بفائض أُنوثتها وغنجها “أَخاصمَــك آه.. أسيبـــك”. ففي المشهدين شيء من صورة عروبتك. وصدّام بجلبابه وملامحه العزلاء تلك، مُجرّداً من سلطته، وثياب غطرسته، غدا يُشبهك، يُشبه أبَــــاك، أخـــاك.. أو جنســك، وهذا ما يزعجك، لعلمك أنّ هذاالكليب” الْمُعدّ إخراجه مَشهَدِيـــاً بنيّــة إذلالكَ، ليس من إخراج ناديـــن لبكــي، بل الإعلام العسكري الأميركيّ.
الطّاغيــة الذي وُلِد برتبة قاتل، ماكانت له سيرة إنسانية تمنحك حقّ الدِّفاع عن احترام خصوصيته، وشرح مظلمته. لكنه كثيراً ما أربَككَ بطلّته العربيّة تلك. لـــذا، كلُّ مرَّة، تلوَّثَ شيءٌ منكَ وأنتَ تراه يقطع مُكرَهاً أشواطاً في التواضُع الإنساني، مُنحدراً من مجرى التاريخ.. إلى مجاريــه.
الذين لم يلتقطوا صوراً لجرائمه، يوم كان، على مدى 35سنة، يرتكبها في وضح النهار، على مرأى من ضمير العالَم، محوّلاً أرض العراق إلى مقبرة جَمَاعية في مساحة وطن، وسماءه إلى غيوم كيماوية مُنهطلة على آلاف المخلوقات،لإبادة الحشرات البشرية، يجدون اليوم من الوقت، ومن الإمكانات التكنولوجيّة المتقدمة، ما يتيح لهم التجسس عليه في عقر زنزانته، والتلصُّص عليه ومراقبته حتى عندما يُغيِّـر ملابسه الداخلية.
في إمكان كوريا أَلاّ تخلع ثيابها النووية ، ويحق لإسرائيل أن تُشمِّر عن ترسانتها. العالَم مشغول عنهما بآخر ورقة توت عربيّة تُغطِّي عـــورة صـــدّام. حتى إنّ الخبر بدا مُفرحاً ومُفاجئاً للبعض، حــدّ اقتراح أحد الأصدقاء “كاريكاتيراً” يبدو فيه حكّام عُــــراة يتلصصون من ثقب الزنزانة على صدّام وهو يرتدي قطعة ثيابه الداخلية. فقد غدا للطاغية حلفاؤه عندماأصبح إنساناً يرتدي ثيابه الداخلية ويغسل جواربه. بدا للبعض أنظف من أقرانه الطُّغاة المنهمكين في غسل سجلاتهم وتبييض ماضيهم.. تصريحاً بعد آخر، في سباق العري العربيّ.
أنا التي فَاخَرتُ دومَــاً بكوني لم أُلـــوِّث يــدي يوماً بمصافحة صدّام، ولا وطأت العراق في مرابــد الْمَديــح وسوق شراء الذِّمم وإذلال الهِمَم، تَمَنَّيتُ لو أنني أخذتُ عنه ذلك الإنـــاء الطافح بالذلّ، وغسلت عنه، بيدي الْمُكابِـرَة تلك، جوارب الشّرف العربيّ الْمَعرُوض للفرجـــــة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:05 pm

7- أمنيات نسائية.. عكس المنطق




طالما تردّدت في الاعتراف بأحلامي السريّة، خشية أن تهاجمني الحركات النسويّة. وحدي ناضلت كي يعيدني حبّك إلى عصور العبودية، وسرت في مظاهرة ضد حقوق المرأة، مطالبة بمرسوم يفرض على النساء الحجاب، ووضع البرقع في حضرة الأغراب، ويعلن حظر التجول على أي امرأة عاشقة، خارج الدورة الدموية لحبيبها.



***



قبلك حققت حلم الأُخريات، واليوم، لا مطلب لي غير تحقيق حلمي في البقاء عصفورة سجينة في قفص صدرك، وإبقاء دقات قلبي تحت أجهزة تنصّتك، وشرفات حياتي مفتوحة على رجال تحرّيك. رجل مثلك؟ يا لروعة رجل مثلك، شغله الشاغل إحكام قيودي، وشدّ الأصفاد حول معصم قدري. أين تجد الوقت بربّك.. كي تكون مولاهم.. وسجّاني؟


امرأة مثلي؟ يالسعادة امرأة مثلي، كانت تتسوق في مخازن الضجر الأنثوي، وما عاد حلمها الاقتناء.. بل القِنانة، مذ أرغمتها على البحث عن هذه الكلمة في قاموس العبودية. وإذا بها تكتشف نزعاتك الإقطاعيّة في الحبّ. فقد كنت من السادة الذين لا يقبلون بغير امتلاك الأرض.. ومن عليها.


كانت قبلك تتبضّع ثياباً نسائية.. عطوراً وزينة.. وكتباً عن الحرية. فكيف غدت أمنيتها أن تكون بدلة من بدلاتك.. ربطة من ربطات عنقك.. أو حتى حزام بنطلون في خزانة ثيابك. شاهدت على التلفزيون الأسرى المحررين، لم أفهم لماذا يبكون ابتهاجاً بالحريّة، ووحدي أبكي كلّما هدّدتني بإطلاق سراحي. ولماذا، كلّما تظاهرت بنسيان مفتاح زنزانتي داخل قفل الباب، عُدت لتجدني قابعة في ركن من قلبك.


وكلّما سمعتُ بالمطالبة بتحقيق يكشف مصير المفقودين، خفتُ أن يتم اكتشافي وأنا مختفية، منذ سنوات، في أدغال صدرك.


وكلّما بلغني أن مفاوضات تجرى لعقد صفقة تبادل أسرى برفات ضحايا الحروب، خفت أن تكون رفات حبّنا هي الثمن المقابل لحرّيتي، فرجوتك أن ترفض صفقة مهينة إلى هذا الحد.. ورحت أعدّ عليك مزايا الاعتقال العاطفي.. علني أغدو عميدة الأسرى العرب في معتقلات الحب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:05 pm

8- أميركا.. كما أراها




زرت أميركا مرَّة واحدة، منذ خمس سنوات.كان ذلك بدعوة من جامعة "ميريلاند" بمناسبة المؤتمر العالمي الأوّل حول جبران خليل جبران. كان جبران ذريعة جميلة لاكتشاف كوكب يدور في فلك آخر غير مجرَّتي.. يُدعى أميركا. حتى ذلك الحين، كنت أعتقد أنّ قوّة أميركا تكمُن في هيمنة التكنولوجيا الأكثر تطوراً، والأسلحة الأكثر فتكاً، والبضائع الأكثر انتشاراً. لكنني اكتشفت أنّ كل هذه القوّة تستند بدءاً على البحث العلميّ وتقديس المؤسسات الأكاديمية، واحترام الْمُبدعين والباحثين والأساتذة الجامعيين. فاحترام الْمُبدع والْمُفكِّر والعالِــم هنا لا يُعادله إلاّ احترام الضابط والعسكري لدينا. وربما لاعتقاد أميركا أنّ الأُمم لا تقوم إلاّ على أكتاف علمائها وباحثيها ، كان ثـمَّـة خطة لإفراغ العراق من قُدراته العلمية. وليس هنا مجال ذكر الإحصاءات الْمُرعبــة لقدر علماء العراق، الذين كان لابدّ من أجل الحصول على جثمان العراق وضمان موته السريري، تصفية خيرة علمائه، بين الاغتيالات والسجن وفتح باب الهجرة لأكثر من ألف عالِم من عقوله الْمُفكِّرة، حتى لا يبقى من تلك الأُمّة، التي كانت منذ الأزل، مهـــد الحضارات، إلاّ عشائر وقبائل وقطَّاع طُرق يتقاسمون تجارة الرؤوس المقطوعة. لكن أميركا تفاجئك، لا لأنها تفعل كلَّ هذا بذريعة تحريرك، بل لأنها تعطيك درساً في الحريّة يربكك. خبرت هذا وأنا أطلب تأشيرة لزيارة أميركا، لتلبية دعوتكم هذه، ودعوة من جامعتي "ميتشيغن" و(MIT). فعلى الرغم من مُعاداتي السياسة الأميركية في العالَم العربي، لاعتقادي أنّ العدل أقلّ تكلفة من الحرب، و محاربة الفقر أجدى من محاربة الإرهاب، وأنّ إهانة الإنسان العربيّ وإذلاله بذريعة تحريره، هو إعلان احتقار وكراهية له، وفي تفقيره بحجّة تطويره نهب، لا غيرة على مصيره، وأنّ الانتصار المبنيّ على فضيحة أخلاقيّة، هو هزيمة، حتى إنْ كان المنتصر أعظم قوّة في العالم، وعلى الرغم من إشهاري هذه الأفكار في أكثر من منبر، مازالت كُتبي تُعتَمد للتدريس في جامعات أميركا. وكان يكفي أن أُقدِّم دعوات هذه الجامعات، لأحصل خلال ساعتين على تأشيرة لدخول أميركا مدَّة خمس سنوات. وهنا يكمن الفرق بين أميركا والعالَم العربيّ، الذي أنا قادمة منه، حيث الكتابة والثقافة في حدّ ذاتها شبهة ، وحيث، حتى اليوم، يعيش الْمُبدعون العرب، ويموتون ويُدفَنون بالعشرات في غير بلدهم الأصلي. لقد اختصر الشاعر محمد الماغوط، نيابة عن كلِّ الْمُبدعين العرب، سيرته الحياتية والإبداعية في جملة واحدة "وُلِـدْتُ مذعــــوراً وسأموت مذعـــوراً". فالْمُبدع العربي لايزال لا يشعر بالأمان في بلد عربي. وإذا كان بعض الأنظمة يتردَّد اليوم قبل أن يسجن كاتباً أو يغتاله، فليس هذا كرماً أو نُبلاً منه، إنمالأن العالم قد تغيَّر، وأصبحت الجرائم في حق الصحافيين والْمُبدعين لا تُسمَّى بسرّية، وقد تُحاسبــه عليها أميركا كلّما جاءها، مُقدِّماً قرابين الولاء، مُطالِباً بالانتساب إلى معسكر الخير. ولذا اختار بعض الأنظمة العربية الدور الأكثر براءة، وتَمَادَى في تكريم وتدليل الْمُبدعين، شراءً للذِّمم، وتكفيراً عن جرائم في حق مثقفين آخرين. الحقيقة غير هذه، ويمكن أن تختبرها في المطارات العربية، وعند طلب تأشيرة "أخويّـــة"، وفي مكان العمل، حيث يُعامل الْمُبدع والْمُفكِّر والجامعي بما يليق بالإرهابيّ من تجسّس وحَذَر، وأحياناً بما يفوقه قَصَاصَاً وسجناً وتنكيلاً ، بينما يجد في الغرب، وفي أميركا التي يختلف عنها في اللغة وفي الدين وفي المشاعرالقوميّة ، مَــــلاذاً يحضن حرّيته، ومؤسسات تدعم عبقريته وموهبته. وما معجزة أميركا إلاّ في ذكاء استقطاب العقول والعبقريات المهدورة، وإعادة تصديرها إلى العالَم من خلال اختراعات وإنجازات علميّة خارقة. ما الاُسد في النهاية سوى خرفان مهضومة.



*



من الْمُحاضَرة التي ألقتها الكاتبة في جامعة (Yale) في الولايات المتحدة الأميركية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:06 pm

9- أن تكون كاتباً جزائرياً

" ألقيت هذه الشهادة في مؤتمر الروائيين العرب في القاهرة 1998 "


عندما
تكون كاتباً جزائرياً, وتأتيك الجزائر يومياً بقوافل قتلاها, بين
اغتيالاتها الفردية, ومذابحها الجماعية, وأخبارالموت الوحشي في تفاصيله
المرعبة, وقصص أناسه البسطاء في مواجهة أقدار ظالمة. لا بدأن تسأل نفسك ما
جدوى الكتابة؟ وهل الحياة في حاجة حقاً الى كتّاب وروائيين؟ ما دام ما
تكتبه في هذه الحالات ليس سوى اعتذار لمن ماتوا كي تبقى على قيد الحياة.

ومادامت النصوص
الأهم, هي ليست تلك التي توقّعها أنت باسم كبير, بل تلك التي يكتبها بدمهم
الكتاب والصحافيون المعرفون منهم والذكرة, الصامدون في الجزائر. والواقفون
دون انحناء بين ناري السلطة والإرهاب والذين دفعوا حتى الآن ستين قتيلاً..
مقابلا لحقيقة وحفنة من الكلمات.

عندما تكون
كاتباً جزائرياً مغترباً, وتكتب عن الجزائر, لا بد أن تكتب عنها بكثير من
الحياء, بكثير من التواضع, حتى لا تتطاول دون قصد على قامة الواقفين هناك.
أو على أولئك البسطاء الذين فرشوا بجثثهم سجاداً للوطن. كي تواصل أجيالاً
أخرى المشي نحو حلم سميناه الجزائر. والذين على بساطتهم, وعلى أهميتك, لن
يرفعك سوى الموت من أجل الجزائر الى مرتبتهم.

الجزائر التي
لم تكن مسقط رأسي بل مسقط قلبي وقلمي, ها هي ذي تصبح مسقط دمي. والأرض التي
يقتل عليها بعضي بعضي, فكيف يمكنني مواصلة الكتابة عنها ولها. واقفة على
مسافة وسطية بين القاتل والقتيل.

لقد فقدنا في
الجزائر خلال السنوات الأخيرة أكثر من ستين كاتب ومبدع. هم أكثر من نصف
ثروتنا الإعلامية. ولم يبق لنا من الروائيين أكثر من عدد أصابع اليدين في
بلد يفوق سكانه الثلاثين مليون نسمة, أي انه لا يوجد في مقابل كل مليون
جزائري, كاتب واحد ينطق ويكتب ويحلم ويفكر باسم مليون شخص.

فأي نزيف فكري
هو هذا؟.. وأيّة فاجعة وطنية هي هذه! ولذا كلما دعيت الى ملتقى حول الكتابة
بدى لي الجدل حول بعض المواضيع النقدية أو الفنية أمراً يقارب في طرحه
مسرح العبث.. عندما يتعلّق الأمر ببلد يشكل فيه الكاتب في حد ذاته نوعاً
بشرياً على وشك الإنقراض, وتشكّل فيه الكتابة في حد ذاتها تهمة لم يعد
الكاتب يدري كيف يتبرّأ منها.. وذنباً لم يعد يدري كيف يجب أن يعلن توبته
عنه أمام الملأ ليتمكن أخيراً من العيش بأمان.

فما الذي حلّ بنا اليوم؟
منذ الأزل نكتب وندري أن في آخر كل صفحة ينتظرنا رقيب ينبش بين سطورنا, يراقب صمتنا وأنفاسنا, ويتربص بنا بين جملتين.
كنا نعرف الرقيب ونتحايل عليه. ولكن الجديد في الكتابة اليوم أننا لا ندري من يراقب من.. وماهي المقاييس الجديدة للكتابة.
الجديد في
الكتابة اليوم, أنّ أحلامنا تواضعت فيبضع سنوات. فقد كنا نحلم أن نعيش
يوماً بما نكتب.. فأصبحنا نحلم ألا نموت يوماً بسبب ما نكتب.

كنا نحلم في
بدايتنا أن نغادر الوطن ونصبح كتاباً مشهورين في الخارج. اليوم وقد أصبحنا
كذلك أصبح حلمنا أن نعود الى وطننا ونعيش فيه نكرات لبضعة أيام.

كنا نحلم
بكتابة كتب جديدة.. أصبحنا نحلم بإعادة طبع كتبنا القديمة ليس أكثر ..
فالذي كتبناه منذ عشرين سنة لم نعد نجرؤ على كتابته اليوم.

عندما تكون كاتباً جزائرياً. كيف لك اليوم أن تجلس لتكتب شيئاً في أي موضوع كان دون أن تسند ظهرك الى قبر.
في زمن العنف
العدميّ, والموت العبثي, كم مرة تسأل نفسك. ماذاتكتب؟ ولمن؟ داخلاً في كل
موت في حالة صمت حتى تكاد تصدّق أنّ في صمت الكاتب عنفاً أيضاً.

ماذا تكتب
أيّها الروائي المتذاكي.. ما دام أيّ مجرم صغير هو أكثر خيالاً منك. وما
دامت الروايات اكثر عجائبية وإدهاشاً تكتبها الحياة.. هناك.

سواء أكانت
تريد أن تكتب قصة تاريخية, أم عاطفية أو بوليسية. رواية عن الرعب أعن
المنفى. عن الخيبة, عن المهزلة, عن الجنون.. عن الذعر.. عن العشق.. عن
التفكك.. عن التشتت عن الموت الملفّق.. عن الأحلام المعطوبة.. عن الثروات
المنهوبة أثناء ذلك بالملايين بين مذبحتين.

لا تتعب نفسك, لقد سبقتك جزائر الأكاذيب والخوف وكتبتها.
الحياة هي
الروائي الأول في الجزائر. وأنت, أيّها الروائي الذي تملك العالم بالوكالة,
وتدير شؤونه في كتاب. الذي يكتب قطعاً ليس أنت. ما دمت تكتب بقلم قصصاً
يشاركك القدر في كتابتها بالدم.

كنا نحلم بوطن نموت من أجله.. فأصبح لنا وطن نموت على يده.
فلماذا تكتب؟
ولمن؟ وكيف يمكن فضّ الاشتباك بينك ككاتب والوطن؟ وهل المنفى هو المكان
الأمثل لطرح تلك الأسئلة الموجعة أكثر من أجوبتها.

أراغون الذي
قال صدقتها "الرواية أي مفتاح الغرف الممنوعة في بيتنا" لم يكن عربياً.
وإلا لكان قال "إن الرواية هي مفتاح الأوطان المغلقة في وجهنا.

إنها لتعريف
الأنسب للرواية المعاصرة, التي منذ جيلين أكثر تولد في المنافي القسرية أو
الإختيارية. موزعة على الخرائط العربية والغربية. هناك حيث ينتظر عشرات
المبدعين العرب موتهم. حالمين أن يثأروا يوماً لغربتهم بالعودة في صناديق
مفخخة بالكتب, فيحدثوا أخيراً ذلك الدوي الذي عاشوا دون أن يسمعوه: دويّ
ارتطامهم بالوطن.

إنهز من الشتات
الجزائري إذن. وطن يفرغ ليتبعثر كتّابه ومثقفوه بين المقابر والمنافي
ليواصلوا الميراث التراجيدي للكتابة العربية, وينضمّوا للشتات الفلسطيني
وللشتات العراقي.. والشتات غير المعلن لأكثر من بلد عربي, تنفى منه شعوب
بأكملها, وتنكسرفيه أجيال من الأقلام إكراماً لرجل أو لحفنة من الرجال,
يفكرون بطريقة مختلفة ولا يغفرون لك ان تكون مختلفاً.

ذلك ان الكتابة أصبحت الآن أخطر مهنة. والتفكيرأصبح أكبر تهمة, حتى أنه يشترك مع التكفير في كل حروفه ويبدو أمامه مجرد زلة لسان.
فلماذا نصرّ إذن على التفكير؟ ولماذا نصرّ على الكتابة؟ وهل يستحق أولئك الذين نكتب من أجلهم كل هذه المجازفة؟
إن وطناً
أذلّنا أحياء لا يعنينا أن يكرّمنا امواتاً. ووطناً لا تقوم فيه الدولة سوى
بجهد تأمين علم وطني تلف به جثماننا, هووطن لا تصبح فيه مواطناً إلا عندما
تموت.

يبقى أن الذين
يتحملّون جريمة الحبر الجزائري ليسوا القتلة. والذين يحملون على يدهم آثار
دم لما يقارب المائة ألف شخص كانوا يعيشون آمنين.. ليسوا القتلة. وإنما
أولئك الذين لم تمنعهم كلّ فجائعنا من مواصلة الحياة بالطمأنينة والرخاء
نفسه, والذين استرخصوا دمنا.. حتى أصبح الذبح والقتل أمراً عادياً لا
يستوقف في بشاعته حتى المثقفين العرب أنفسهم.

والذين تفرّجوا خلال السنوات الأخيرة بلا مبالاة مدهشة على جثتنا. والذين جعلوننا نصدق ذلك الكاتب الذي قال:
"لا تخش أعداءك, ففي أسوأ الحالات يمكنهم قتلك
لاتخش أصدقاءك ففي أسوأ الحالات يمكنهم خيانتك
إخش اللامبالين فصمتهم يجيز الجريمة والخيانة".
---------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:06 pm

10- أنا في المطبخ.. هل من مُنازل؟

مــذ التحقت بوظيفتي كـ"ست بيت" وأنا أُحاول أن أجد في قصاص الأشغال المنزلية متعة ما، تخفّف من عصبيتي الجزائرية في التعامل مع الأشياء. قبل أن أعثر على طريقة ذكيّة لخوض المعارك القوميّة والأدبيّة أثناء قيامي بمهامي اليوميّة.
وهكـــذا، كنت أتحارب مع الإسرائيليين أثناء نفض السجّاد وضربه، وأرشّ الإرهابيين بالمبيدات أثناء رشِّي زجاج النوافذ بسائل التنظيف، و"أمسح الأرض" بناقد أو صحافي أثناء مسحي البلاط وتنظيفه، وأتشاجر مع قراصنة كتبي ومع المحامين والناشرين أثناء غسل الطناجر وحكّها بالليفة الحديديّة ، وأكوي "عذّالي" وأكيد لهم أثناء كيّ قمصان زوجي، وأرفع الكراسي وأرمي بها مقلوبة على الطاولات كما لو كنتُ أرفع بائعاً غشّني من عنقه.
أمّا أبطال رواياتي، فيحدث أن أُفكِّر في مصيرهم وأدير شؤونهم أثناء قيامي بتلك الأعمال اليدوية البسيطة التي تسرق وقتي، من دون أن تستدعي جهدي، وفي إمكاني أن أحل كلّ المعضلات الفلسفية وأنا أقوم بها، من نوع تنظيف اللوبياء، وحفر الكوسة، وتنقية العدس من الحصى، أو غسل الملوخيّة وتجفيفها. حتى إنني، بعد عشرين سنة من الكتابة المسروقة من شؤون البيت، أصبحت لديّ قناعة بأنه لا يمكن لامرأة عربيّة أن تزعم أنها كاتبة ما لم تكن قد أهدرت نصف عمرها في الأشغال المنزلية وتربية الأولاد، ولا أن تدّعي أنها مناضلة، إن لم تكن حاربت أعداء الأُمّة العربية بكلّ ما وقعت عليه يدها من لوازم المطبخ، كما في نداء كليمنصو، وزير دفاع فرنسا أثناء الحرب العالمية الأُولى، عندما صاح: "سنُدافع عن فرنسا، ونُدافع عن شرفها، بأدوات المطبخ والسكاكين.. بالشوك بالطناجر، إذا لزم الأمر"!
كليمنصو، هو الرجل الوحيد في العالم الذي دُفن واقفاً حسب وصيّته، ولا أدري إذا كان يجب أن أجاريه في هذه الوصيّة لأُثبت أنني عشت ومتّ واقفة في ساحة الوغى المنزلية، خلف الْمَجلَى وخلف الفرن، بسبب "الزائدة القوميّة" التي لم أستطع استئصالها يوماً، ولا زائدة الأُمومة التي عانيتها.
يشهد اللّه أنني دافعت عن هذه الأُمة بكلّ طنجرة ضغط، وكلّ مقلاة، وكلّ مشواة، وكلّ تشكيلة سكاكين اشتريتها في حياتي، من دون أن يُقدِّم ذلك شيئاً في قضيّة الشرق الأوسط.
وكنت قبل اليوم أستحي أن أعترف لسيدات المجتمع، اللائي يستقبلنني في كلّ أناقتهن ووجاهتهنّ، بأنني أعمل بين كتابين شغالة وخادمة، كي أستعيد الشعور بالعبوديّة الذي عرفته في فرنسا أيام "التعتير"، الذي بسببه كنت أنفجر إبداعاً على الورق، حتى قرأت أنّ سفير تشيكيا في بريطانيا، وهو محاضر جامعي سابق، قدَّم طلباً لعمل إضافيّ، هوتنظيف النوافذ الخارجيّة في برج "كاناري وورف" المشهور شرق لندن، لا كسباً للنقود، وإنّما لأنه عمل في هذه المهنة في الستينات، ويُريد أن يستعيد "الشعور بالحريّة"،الذي كان يحسّ به وهو مُتدلٍّ خارج النوافذ، مُعلَّقاً في الهواء، يحمل دلواً وإسفنجة.
غير أنّ خبراً قرأته في مجلة سويسرية أفسد عليّ فرحتي بتلك المعارك المنزلية، التي كنت أستمدّ منها زهوي. فقد نجحت سيدة سويسرية في تحويل المكنسة ودلوالتنظيف إلى أدوات فرح، بعد أن تحوّلت هي نفسها من مُنظِّفة بيوت إلى سيدة أعمال، تعطي دروساً في سويسرا والنمسا وألمانيا حول أساليب التمتُّع بعذاب الأشغال المنزلية، بالاستعانة بالموسيقى والغناء ودروس الرقص الشرقي وتنظيم التنفُّس.
أمّـا وقد أصبح الجلي والتكنيس والتشطيف يُعلَّم في دروس خصوصية في جنيف وفيينا على وقع موسيقى الرقص الشرقي، فحتماً ستجرّدني بعض النساء من زهوي باحتراف هذه المهنة. بل أتوقّع أن يحضرن بعد الآن إلى الصبحيات وهنّ بالمريول ("السينييه" طبعاً) خاصة أنّ هيفاء وهبي وهي تتنقّل بمريولها الْمُثير في ذلك "الكليب" بين الطناجر والخضار، نبّهت النساء إلى أنّ المعارك الأشهى والحاسمة تُدار في المطابخ!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:07 pm

11- إنهم يقضمون تفاحة الحياة


كلّما طالعت في الصحف أخبار "صباح"، التي تنتظر في أميركا التحاق خطيبها العشريني الوسيم بها، حال حصوله على تأشيرة، مستعينة على أمنيتها أن تحبل منه، بإشهار دبلة خطوبتها في وجه شهادة ميلادها، آمنتُ بالحب كنوع من اللجوء السياسي، هرباً من ظلم "أرذل العمر"، وصدّقت أن علّة الحياة: قلّة الأحياء رغم كثرة عددهم.


ذلك أن الأحياء بيننا، ماعادوا الشباب.. بل الأثرياء.. وبعض المسنين الحالمين، الذين لا يتورعون عن إشهار وقاحة أحلام، لا نملك جسارة التفكير فيها، برغم أننا نصغرهم سنّاً. فهل الاقتراب من الموت يُكسب الإنسان شجاعة، افتقدها قبل ذلك، في مواجهة المجتمع؟

أغرب الأخبار وأجملها، أحياناً تأتينا من المسنين، الذين يدهشوننا كل يوم، وهم يقضمون أمامنا تفاحة الحياة بملء أسنانهم الاصطناعية، ويذهبون متكئين على عكازتهم نحو أسرَّة الزوجية وليلة فتوحاتهم الوهمية، مقترفين حماقات جميلة، نتبرأ من التفكير فيها، غير معنيين بأن يتركوا جثتهم قرباناً، على سرير الفرحة المستحيلة.


وبعض النهايات المفجعة لهؤلاء اللصوص الجميلين، الذين يحترفون السطو على الحياة، تعطينا فكرة عن مدى روعة أُناس يزجُّون بقلوبهم في الممرات الضيقة للسعادة، فيحشرون أنفسهم بين الممكن والمستحيل، مفضلين، وقد عجزوا عن العيش عشاقاً، أن يموتوا عشقاً، ويصنعوا بأخبارهم طرائف الصحف اليومية، كذلك المسن المصري، الذي فشل في تحقيق حلم حياته، بأداء واجباته الزوجية مع عروسه الشابة، التي تزوجها منذ بضعة أيام، مستخدماً في ذلك مكافأة نهاية الخدمة، الذي رغم استعانته ببركات "الفياغرا"، لم يتمكن من الدخول بعروسه الحسناء، فسكب البنزين على جسده،وقرر أن يموت حرقاً، بعد أن فشل في تحقيق آخر أحلامه، أو كعجوز الحب الفرنسية، التي لم يتحمل قلبها، وهي في الثامنة والسبعين من عمرها، الفرحة، فتوقف عن النبض قبل ساعات قليلة من عقد قرانها على زميلها في دار المسنين، الذي يبلغ من العمر 86عاماً، بينما كانت منهمكة مع بقية النزلاء في تزيين دار العجزة استعداداً للمناسبة! وإذا كانت الفرحة قاتلة، بالنسبة إلى النساء، فالغيرة تبدو العاطفة التي تعمر أكثر في قلوب الرجال، وقد تحولهم في أي عمر إلى قتلة، كقصة ذلك الزوج التسعيني، الذي كان يتبادل مع زوجته العجوز أطراف الذكريات البعيدة، عندما أخبرته في لحظة فلتان لسان نسائي، أنه بينما كان مجنداً في الحرب العالمية الثانية، خانته مع رجل عابر. فلم يكن من الرجل إلاّ أن غافلها وخنقها ليلاً، انتقاماً لخيانة تعود لنصف قرن! أو ذلك المعمر الفرنسي، البالغ 89 سنة، الذي يقبع في سجون فرنسا، كأكبر معتقل، إثر حكم عليه بالسجن بتهمة خنق وضرب زوجته، البالغة من العمر 83 عاماً، حتى الموت، بعد أن عثر تحت وسادتها على رسائل غرامية، يتغزل فيها بها معجب، ليس في عمر "عمر محيو" خطيب صباح، وإنما رجل يبلغ ثمانين عاماً، يصغرها بثلاث سنوات!


غير أن العشاق من المسنين، ليسوا جميعهم مشروعات مجرمي حب، بل ثمة العشاق الأبديون الحالمون.. كذلك الجندي الأميركي، الذي شارك في الحرب العالمية الثانية، ومازال منذ ذلك الحين دائم البحث عن المرأة، التي وقع في حبها في ألمانيا، التي مازالت حلم عمره، حتى إنه نشر صورته بالزي العسكري، مرفقة برسالة موجهة إلى جميع "السيدات اللواتي تجاوزن السبعين من العمر"، يطلب فيها من حبيبته الاتصال به، والجواب عن بعض الأسئلة.. بل إن الحب مازال يزوِّد المسنين بطاقة خرافية للحلم، وبشهية مخيفة للحياة، كما في طهران، حيث وافقت المحكمة على زواج رجل، في الخامسة والثمانين من عمره، بامرأة في الخامسة والسبعين من عمرها.. بعد أن سبق لأهلها منذ 50 سنة أن رفضوا تزويجه بها!


أما في تونس، فمازال البعض يذكر إحدى أجمل قصص الحب، التي انتهت بعقد قران رجل في السابعة والتسعين من العمر على عروسه، البالغة 86 عاماً، وتلك الأفراح التي دامت آنذاك سبعة أيام، وسبع ليالٍ كاملة، نظراً لكثرة أفراد عائلتي الزوجين،التي تضم 42 حفيداً، من جهة العريس، الذي يبلغ ابنه البكر الخامسة والسبعين من عمره.. و11 ابناً و33 حفيداً من جهة العروس .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:07 pm

12- أيها الرب ...........إذا جعلتني أقوى



إذا كان ما حدث في أميركا في "صباح الطائرات"، قد تطلّب منّا وقتاً لتصديق غرائبيّته وهَوْلِـه، فإنّ الكتابة عنه، بقدر من الموضوعية والإنسانية، كانت تتطلّب منّـا أيضاً بعض الوقت، كي نتجاوز أحاسيسنا الأُولى، ونعي أنّ تلك الأبراج الشاهقة، التي كانت "مركز الجشع العالمي"، التي انبهر الملايين من بؤساء العالم وجياعه ومظلوميه، وهم يشاهدون انهيارها، لم تكن مجرّد مبانٍ تُناطح السحَاب غروراً، بل كانت تأوي آلاف البشر الأبرياء، الذين لن يعرفوا يوماً لماذا ماتــوا، والذين كانوا لحظة انهيارها يُدفنون تحت أنقاضها، ويموت العشرات منهم، محترقين بجنون الإرهاب، دون أن يتمكَّن أهلهم من التعرّف حتى إلى أشلائهم المتفحّمة، ليكون لهم عزاء دفنهم أو زيارة قبورهم في ما بعد.


لــم تكن المباني إذن مِن ديكورات الكارتون، كما يتمُّ تجسيمها عادة في استديوهات هوليوود، عندما يتعلَّق الأمر بخدع في فيلم أميركي يصوّر نهاية العالم: فكيف انهارت بتلك السرعة الْمُذهلة، وجعلتنا نكتشف، مذعورين، هشاشة الْمَفاخر التكنولوجية، والحضارة العصرية، القائمة على الْمُزايدات التقنية، والتشاوف بين الأُمم؟

ذلك أن الكثيرين، من الذين ماتــوا تلك الميتة الشنيعة، قضوا أعمارهم في أكبر الجامعات وأغلاها، كي يتمكّنوا يوماً من تسلُّق سلّم الأحلام، والوصول إلى أعلى ناطحة سحاب في العالم، حيث ينبض "جيب" الكرة الأرضية وماداموا لم يسمعوا بابن المعتز، وإنما ببيل غيتس، نبيِّ المعلوماتية ورسولها إلى البشرية، فقد فوّتوا عليهم نصيحة شاعرعربي قال: " دعي عنكِ المطامع والأماني --- فكم أمنيةٍ جلبت منيّة"


ساعة و 44دقيقة فقط ، هو الوقت الذي مرَّ بين الهجوم على البرج الأول وانهيار البرجين وإذ عرفنا أن الوقت الذي مـرَّ بين ارتطام عابرة المحيطات الشهيرة "تايتانيك" بجبل جليدي وغرقها، كان حسب أرقام الكوارث ساعتين وأربعين دقيقة، بينما تطلَّب إنجازها عدَّة أعوام من التخطيط والتصميم، وكلَّفت أرقاماً خُرافية في تاريخ بناء البواخر، وكذلك سقوط طائرة "الكونكورد" الأفخم والأغلى والأسرع لنقل الركّاب في العالم، واحتراقها (بركابها الأثرياء والمستعجلين حتماً)، في مــدّة لا تتجاوز الخمس عشرة دقيقة، وإيقاف مشروع تصنيعها لحين، بخسارة تتجاوز آنذاك مليارات الفرنكات، أدركنا هشاشة كلّ ما يزهو به الإنسان، ويعتبره من علامات الوجاهة والفخامة والثراء، ودليلاً على التقنيات البشرية المتقدمة، التي يتحدّى بها البحر حيناً، لأنه يركب أضخم وأغلى باخرة، ويتحدّى بها السماء حينا آخر، لأنه يجلس فوق أعلى وأغلى ناطحة سحاب، جاهلاً أن الإنسان ما صنع شيئاً إلاّ وذهب ضحيته، ولــذا عليه أن يتواضع، حتى وهو متربّع على إنجازاته وقد كان دعاء أمين الريحاني "أيّها الربُّ إذا جعلتني أقوى، فاجعلني أكثر تواضُعاً".


أميركا التي خرجت إلينا بوجه لم نعرفه لها، مرعوبة، مفجوعة، يتنقّل أبناؤها مذهولين، وقد أطبقت السماء عليهم، وغطَّى الغُبار ملامحهم وهيأتهم، لكأنَّـهـم كائنات قادمة إلينا من المرِّيخ، لفرط حرصهم على الوصول إليه قبلنا، أكانت تحتاج إلى مُصَابٍ كهذا، وفاجعة على هذا القدر من الانفضاح، لتتساوى قليلاً بنا، نحنُ جيرانها، في الكرة الأرضية، الذين نتقاسم كوارث هذا الكواكب كلَّ يوم؟

ذلك أنه منذ زمن، والأميركيون جالسون على علوّ مئة وعشرة طوابق من مآسينا فكيف لصوتنا أن يطالهم؟ وكيف لهم أن يختبروا دمعنا؟

لــم يكن إذن ما رأيناه في الحادي عشر من أيلول، مشهداً من فيلم عوَّدتنا عليه هوليوود كان فيلماً حقيقياً عن "عولمة الرعب"، بدمار حقيقي وضحايا حقيقيين، بعضهم كان يعتقد آنذاك أنه يتفرّج على "الفيلم"، عندما وجد البرجين ينهاران فوق رأسه وكما في السينما، كان السيناريو جاهزاً بأعداء جاهزين المفاجأة أننا ما كنّـا نتوقع أن يتمّ اختيارهم بقرعة الجغرافيا من بين الْمُشاهديـــن.
لا جـــدوى مِن الإسراع إلى إطفاء جهاز التلفزيون ذلك أنَّ "النسر النبيل"، هو الذي يختار في هذا الفيلم الأميركي الطويل، لِمَن مِن المشاهدين سيُلقّن درساً ومتى، فهو الذي يقرّر إلى مَنْ منّـا سيسند دور الشرِّير .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:08 pm

13- ابتسم أنت في امريكا


يدهشك حقا ويعنيك أهمية الجامعات في تأسيس أمريكا ، انها تنبت كالجزر والواحات في الولايات وتصنع فخر الأمريكي الذي تخرج منها والذي يدين لها بولاء يبخل به حتى على عائلته ،أحدهم جاء من المكسيك كان مزارعا تابع دروسه الليلية في جامعة ميريلاند وعاد منذ مدة وقد اصبح مهندسا كبيرا ليدفع 5 ملايين دولار مساعدة منه للجامعة ولمن يتعلم بعده فيها

ولأنك لا تمنع نفسك من المقارنه فستتذكر ذلك السفير الجزائري الذي كان يحتفظ بمنح الطلبة في الخارج لعدة اشهر في حسابه الخاص للاستفادة من فوائدها ولا يحولها لهم الا عندما يشارفون على التسول

وعندما تتجول بعد ذلك في المباني الجامعية والمتشابهة بجامعة ميريلاند ستكتشف ان معظمها بنيت بهبات خريجي الجامعة الأثرياء ، وفي نزل ماريوت الذي تقيم فيه سيقع نظرك حيث ذهبت على لوحات جميلة وثمينة تزين الممرات والقاعات وستلحظ اسفلها صفيحة من البرونز وبخط صغير اسم واهبها الذي هو أحد خريجي الجامعة فتتذكر قصة معروفة لمدير سابق لإحدى الكليات اللبنانية الذي نهب نصف ميزانية الكلية أثناء الحرب بابتكاره فواتير مزورة لتجهيزات وهمية لم تحصل عليها الكلية ، ثم غادر الى وظيفة اكثر ربحا وقد ترك الكلية عارية من كل شيء

وبعد قليل يأتي نادل لخدمتك في المطعم ويخبرك أحدهم انك قد تعود في المرة المقبلة وتجده موظفا في الطوابق العليا لان الجميع هنا يدرس ليتقدم ولا احد يشغل الوظيفة نفسها طوال حياته والفرص متاحة بالتساوي للجميع

يحكى الأستاذ سهيل بشوئي احد عمدة أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت في الستينات والسبعينات انه استطاع برسالة الى رئيس لجنة الهجرة في أمريكا ان يوقف إجراء بطرد طبيبة عربية لم يستطع المحامي ان يفعل لها شي قبل ان يسألها يائسا أتعرفين أستاذا في الجامعة يمكن ان يقدم شهادة لصالحك اما في بلادنا فكان سيسألها اتعرفين ظابطا كبيرا ام وزيرا أو أي زعيم يتوسط لك عند القضاء ولكن في امريكا كل هؤلاء لا يضاهون وجاهة الاستاذ ولا هيبته

البيت الابيض لا يثير في نفسك شيئا مما توقعت من انبهار وانت ترى حديقته المفتوحة على الطريق وداخلها عدد من السياح الفضوليين ولكن هذا المشهد بالذات هو الذي سيوقظ ألمك ويذكرك بتلك القصور المسيجة لحكام لا يمكن الاقتراب من بيوتهم بالعين المجردة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:09 pm

14- ابني.. الإيطالي



انتهى حديثي عن رومــــا، عند ذلك السائق الذي تشاطر عليّ وأقنعني بأنني أمددته بورقة نقدية من فئة العشرة يورو·· لا الخمسين، وتقاضى مني بالتالي مئة يورو، عن مشوار المطار الذي يساوي نصف ما دفعت·


ولم يحزنِّي الأمر كثيراً، مادام هذا كلّ ما فقدت، مقارنة بنسيبي، الذي على فائق ذكائه وشطارته، وتردده على إيطاليا أكثر من مرَّة، نجح الطليان في ميلانــو في سرقة حقيبة يده، بكل محتوياتها من مبالغ نقدية وجوازات سفر وبطاقات مصرفية، بعد أن قاموا بتنفيس دولاب سيارته، و سطوا على محتوياتها أثناء توقُّفه للبحث عمَّن يساعده · وهكذا تحوّلت لديه مقولة “روما فيدولتا فيدا بردوتا أي “شاهد روما وافقد إيمانك” إلى “شاهد روما وافقد جزدانك” (أي حقيبة يدك


ابني غسان، الذي جاء من لندن، حيث يتابع دراسته في إدارة الأعمال، التحق بي كي يراني ويكتشف روما، أخيــــراً، بعدما قضى الصيف الماضي في إيهام بنات “كان” بأنه إيطالي ، حتى إنه اختار اسماً “حركياً” لغزواته العاطفية، بعد أن وجد أنّ البنات يقصدنه لذلك السبب· فالرجل الإيطالي له سطوة لدى الفرنسيات بحُكم صيته العشقي ، وأناقته المتميزة · ولا داعي لتخييب ظن البنات مادام الأمر لا يتعدَّى سهرة في مرقص · وعبثاً حاولت مناقشة الموضوع معه، وإقناعه بأن “حبل الكذب قصير”، فكان يردُّ بأن البنات هنّ مَن يفضّلن سماع الأكاذيب · وانتهى بي الأمر إلى الاقتناع بقول عمر بن الخطاب (رضي اللّه تعالى عنه) “لا تخلِّقوا أولادكم بأخلاقكم، فقد خُلِقوا لزمان غير زمانكم”، خاصة أنني عجزت أيضاً عن إقناعه بالوفاء لصديقة واحدة، ودفعت ثمن تعدُّد صديقاته، عندما كان عليَّ في روما أن أشتري هدايا لهن جميعاً، وأتشاور معه طويلاً في مقاساتهن وأذواقهن، وأجوب المحال النسائية بزهد كاتبة، بعد أن جبت المحال الرجالية بصبر أُمٍّ، لأشتري له جهازاً يليق بوظيفة في النهار في بنك إنجليزي، ووظيفة ليلاً كعاشق إيطالي·


وقد حدث في الصيف أن أشفقت كثيراً على إحدى صديقاته، الوحيدة التي عرّفني إليها، والتي تقدَّم إليها باسمه الحقيقي ، نظراً إلى كون علاقتهما دامت شهرين· وكانت المسكينة تدخل في شجارات مع والدها ، المنتمي إلى الحزب اليميني المتطرِّف الذي يشهر كراهيته للعرب، وتستميت في الدفاع عمّا تعتقده حبّاً · وذهبتْ حتى شراء نسخة من “ذاكرة الجسد” بالفرنسية لإطلاع أهلها على أهميةحماتها”، وكانت تملأ البيت وروداً كلّما سافرت وتركت لهما الشقة، وتُهاتفني سراً لتسألني إن كان ابني يحبّها حقاً · ووجدتني مرغمة على الكذب عليها · وتأكيداً لأكاذيبي، صرت أشتري لها هدايا كي يقدِّمها لها ابني، بما في ذلك هدية وداعٍ، عندما غادر غسان “كان” إلى لندن · فالمسكينة لم تكن قد سمعت بمقولة مرغريت دوراس: “في كلِّ رجل ينام مظلِّي”· ولم تكن تدري أنّ الرجال دائماً على أهبة رحيل نحو حبّ آخر· ربما من وقتها أضفت إلى واجبات أُمومتي، واجب شراء هدايا لصديقات ابني، وإلى مشاغلي الروائية·· مهمّة إسعاد بطلة حقيقية، تشبهني في شغفي وذعري وشكّي وسخائي·· و غبائي العاطفي·


بعد عودته إلى لندن، هاتفني غسان مبتهجاً · قال: “شكراً ماما ·· كانت الإقامة معكِ جميلة في روما·· الثياب التي اشتريتها لي أعجبت الجميع ·· وصديقاتي هنا جميعهن سعيدات بالهدايا”· ثم أضاف مازحاً: “جاهز أنا لأراكِ في أيّة مدينة تسافرين إليها”·


غسان عمره 23 سنة ·


التهم من كتب الأدب والفلسفة أكثر مما قرأت أنا·
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:10 pm

15- اشــتري دمعـــاً .. فـمـــن يـبـيـع؟




أحسد سيوران القائل: "لم أبكِ قط، فدموعي استحالت أفكاراً".


فهل تعود قلّة إنتاجي الأدبي إلى كون أفكاري استحالت دموعاً، وأني بدل أن ألقي القبض على لحظات الحزن الجحيمية ، فأُحوّلها إلى عمل إبداعي، رحت أطفئ وهج الحرائق بالبكاء الغبي؟ عزائي أمام خسائري الأدبية، ما قرأته في دراسة طبية تؤكد أن المرأة تعيش أكثر من الرجل.. لأنها تبكي بسهولة أكبر، ذلك أن القدرة الرهيبة على البكاء، التي تمتلكها المرأة، تمنحها إمكانية تفجير ما تحقنه في نفسها من غضب وحزن وأسى، بينما لافتقادهم هذه القدرة، يموت الرجال تحت وطأة أحزانهم، بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية .


الخيار إذن هو بين أن أُعمّر طويلاً وأترك أعمالاً قليلة.. بعد أن أكون قضيت نصف العمر، الذي كسبته بالبكاء.. في البكاء، أو "أقصف عمري" بقمع حاجتي إلى ذرف الدموع مقابل أن أترك بعد رحيلي أعمالاً إبداعية كبرى تُبكي الآخرين.


وفي مسألة البكاء، اختلف الفقهاء من مبدعين وشعراء، بين الذين يفاخرون بدمعهم، ويذرفونها أنهاراً عند أول سبب، وأحياناً من دون سبب منطقي، عدا حالة الكآبة الوجودية التي لا تفارق المبدعين، خاصة الرومنطقيين منهم، أمثال بول فرلين ولامارتين ورامبو وروسو، وبين حزب آخر قد يكون ناطقه الرسمي أبو فراس الحمداني، الذي كأي عربي قح، أعلن أنه سيصون كرامة دمعه، حتى وإن كان في جفاف مآقيه .


أشعر بالندم لأنني ما كنت من أتباعه، ولا كنت يوماً عصيّة الدمع، ولا شيمتي الصبر. تشفع لي أعذار ثلاثة: فأنا أولاً امرأة.. وثانياً: مبدعة.. وثالثاً: من برج الحمل. وهي أسباب كافية عند اجتماعها لصنع كيمياء الدموع. وعلى الذي يشك في مصيبتي، أن "يسأل دموع عينيَّ.. ويسأل مخدتي" وكل المواويل وأغاني العويل التي تربيت عليها في مراهقتي العاطفية والسياسية الأُولى. إذ بسبب كمّ الدموع التي ذرفتها آنذاك أمام الأفلام المصرية والنشرات الإخبارية العربية، منذ السبعينات وحتى "حرب الحواسم" المباركة، وجدتني اليوم مهددة بجفاف أدمعي وتصحّر بساتين أوهامي.


والأمر ليس نكتة. فطبيب العيون الذي زرته لأول مرة منذ بضعة أشهر، لينجدني بنظّارات طبية للقراءة،، فاجأني بأن وصف لي "دمعاً صناعياً لعلاج مرض نشاف الدمع".


منذ أيام عثرت على تلك الوصفة الطبية، التي مازلت أحتفظ بها في مفكرة العام الماضي، بنيّة غير معلنة لنسيانها. وكدت منذ أيام آخذها لأشتري أخيراً تلك القطرات التي عليّ أن أضع عشراً منها يومياً في كل عين، لولا أنني رفضت أن ينتهي بي الأمر إلى شراء دموع صناعية في عز شهر التسوّق، حتى لا أريد في عجز الاقتصاد اللبناني بـ"شوبينغ للدموع" التي هي على أيامنا السلعة الأكثر ندرة، نظراً إلى كوننا استهلكنا في المصائب القوميّة كل الآبار الجوفية لدموعنا العربية، ولم يبق أمامنا بعد الآن إلاّ أن نذرف نفطاً، إن سمحت لنا بذلك شركات البترول العالمية، التي تتولى كل شؤوننا، بما في ذلك تقنين دموعنا، ووضع لائحة بالأسباب المسموح بها للعربي بالبكاء.


لهذه الأسباب، فرحت عندما رأيت منذ أشهر الرئيس الجزائري يجهش باكياً مرتين في حضرة الكاميرات، أمام قادة أغنى دول العالم، وهو يتحدث إليهم في قمّة "إيفيان" عن كارثة الزلزال التي أصابتنا، ثمّ عن كل المآسي الدموية، التي شهدتها الجزائر في الأعوام الماضية. استبشرت خيراً بارتفاع منسوب دمعنا الوطني. فيوم غادرت الجزائر في السبعينات، كان مخزون بترولنا يرفع سقف ثمن برميل الدمع إلى حدّ يصعب معه رؤية جزائري يبكي علناً. يومها، تمنيت لولا جفاف مآقيّ أن أُساند رئيسنا بالبكاء. ولكن، كجزائرية تشتري "الدمع الصناعي" بالعملة الصعبة، وجدت في الأمر إهانة لمن أبكيهم..


هل بينكم من مازال في مآقيه دموع.. فيدركني بها؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:10 pm

16- الأرض بتتكلم فرنسي




بعد شهرٍ قضيتُه في باريس لضرورة إعلامية، بمناسبة صدور روايتي " ذاكرة الجسد " باللغة الفرنسية، وجدتني أعود إلى بيروت على متن طائرة الفرنكوفونية، وفي توقيت انعقاد قمتها فقد أعلنت المضيفة، والطائرة تحطّ بنا في مطار بيروت، أنّ على ضيوف القمَّة الفرنكوفونيَّة أن يتفضّلوا بمغادرة الطائرة قبل بقيّة الركّاب لم يغظني أن تُهين المضيفة عروبتي، وأن تنحاز إلى اللّغة الفرنسية، فكرم الضيافة يقتضي ذلك، ولا أحزنني تذكُّـر التصريح الشهير لمالك حدَّاد "إنّ اللغة الفرنسية سجني ومنفاي"، وقد أصبح شعار معظم كتَّابنا الجزائريين اليوم "إنَّ اللغة الفرنسية ملاذي"، ولا فوجئت بأن يكون رئيسي عبدالعزيز بوتفليقة، مشاركاً في القمَّة الفرنكوفونية، برغم أن الجزائر غير عضو في هذه المنظمة.. فلقد تعامل الجزائريون دوماً مع الفرنسية كـ"غنيمة حرب"، حتى إن بوتفليقة ألقى، بشهادة الصحافة، الخطاب الأكثر فصاحة بلغة موليير، التي ما كان أحد من الرسميين يتجرأ على الحديث بها أيام بومديــن، بل لفصاحته في هذه اللغة حدث أن خطب بها في الشعب الجزائري مُحطِّماً " تابــــو" العدائية اللغوية، وذهب إلى حــدّ التوجّــه بها منذ سنة إلى العالم في مجلس الأُمم المتحدة، برغم اعتماد اللغة العربية لغة رسميـة.



ولا استفزّني مطار بيروت الْمُزدان بلافتات الترحاب المكتوبة باللغة الفرنسية، والْمُرفقة بأعلام عشرات الدول الفرنكوفونية.. فلا بأس أنّ الأرض "اللي كانت بتتكلّم عربي"، تتكلّم فرنسي، نكاية في اللغة الإنجليزية، بعد أن أصبحت حروب الكبار تُــــدار على ساحة اللغات.



فبينما تقوم فرنسا بتبييض وجهها بالسود والسُّمر من أتباع الفرنكوفونيَّة، غاسلــة بذلك ماضيها الاستعماري في هذه الدول بالذات، رافعــة شعار حـــوار الحضارات وأنسنة العالم، تترك الولايات المتحدة لترسانتها الحربية مهمّة التحاور مع البشرية، وتبدو في دور الإمبراطورية الاستعمارية القديمة فلا عجب أن ترتفع أسهم كل حاكم أو زعيم عبر العالم، يُشهر كراهيته لأميركا، حتى إن الرئيس جـــاك شيراك، الذي ما كانت هذه القمة لتلقى ترحابـــاً في الأوساط العربية، لولا تقدير العرب سياسته الديغوليَّـة ومواقفه الشجاعة والثابتة، في ما يخصُّ القضايا العربية، بلــغ أعلى نسبة في استفتاء لشعبيته في فرنسا، منذ أن أشهر استقلالية قراراته عن الولايات المتحدة، ومعارضته أيَّ حرب أميركية وقبله، ودون أن يُحطّم المستشار الألماني شريدر "الرقم الخُرافي"، الذي حطَّمه صدام حسين في انتخاباته الرئاسية الأخيرة، استطاع أن يضمن إعادة انتخابه من طرف الشعب الألماني، مــذ فضّل على "نعم" الاستكانة "لا" الكرامة، في رفض الانسياق لغطرسة السياسة الأميركية.



ولقد انعكست هذه الأجواء في فرنسا على البرامج التلفزيونية والإصدارات الجديدة، التي يعود رواجها إلى طرحها سؤالاً في شكل عنوان "لماذا يكره العالم أميركا؟".



غير أن انحيازنا العاطفي إلى هذه اللغة أو تلك، عليه ألاَّ يُنسينا نوايا الهيمنة التي تُخفيها المعارك اللغوية، التي تتناحـــر فيها ديناصورات العالم، مبتلعة خمساً وعشرين لغة سنوياً، وهو عدد اللغات التي تختفي كل عام من العالم، من جراء "التطهير اللغوي"، الذي تتعرّض له اللغات العاجزة عن الدفاع عن نفسها.


فهــل بعد القدس مُقابل السلام، سنقدّم اللغة العربية قُربانــاً للعولمــة؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:10 pm

- الانتفاضة .. ليست مهنة



أذكر أن شارون، عند استقباله أول مرة كوندوليزة رايس، مستشارة بوش، صرح محاولا تجميل صورته وإثبات جانب "الجنتلمان" فيه : "لابد لي أن أعترف، لقد كان من الصعب علي أن أركز في التفكير أثناء كلامي معها، فقد كانت لديها ساقان في غاية الجمال" ما جعل صحافيا أمريكا يعلق "إذا كان جورج بوش يريد النجاح في عملية السلام، فعليه أن يرسل إلى إسرائيل كوندوليزة، مع قائمة طولية من الطلبات .. وتنورة قصيرة".


ربما كان البعض يعتقد مازحا آنذاك، أن ساقي كوندوليزة (التي ليست من "الموناليزا" في شيء) ستنجحان،حيث أخفقت في الماضي، الساقان الممتلئتان للسيدة أولبرايت.


أما اليوم فكل مانخشاه، أن يتمكن "تايور" الحداد الأسود للسيدة كوندوليزة من إقناع عرفات بالتضحية


بالقائمة الطويلة لشهداء الانتفاضة، والجلوس للتفاوض، بعد كل هذه المآسي، على طاولة التنازلات والتنـزيلات الجديدة. وبرغم وعينا التام أن فرصة كهذه لا ينبغي لعرفات أن يفوتها، حتى يضع حدا لمبررات شارون لالتهام أبناء فلسطين، في كل وجبة غذاء، بذريعة أنه بذلك يخلص العالم من بذور الإرهاب، فإن شيئا شبيها بغصة البكاء يكمن في حلوقنا، لتصادف كل هذا بالذكرى الأولى لانطلاقة الانتفاضة "الثانية" في فلسطين.


وبرغم هذا، ليس من حقنا أبدا، أن نطالب شعبا يرزح وحده تحت الاحتلال، ويرد بالصدور العارية، لأبنائه وبدموع ثكالاه وأيتامه، حرب إبادة وتطهير، أن يواصل الموت والقبول بكل أنواع الإذلال والتعذيب، ليمنحنا زهو الشعور بعروبتنا وقدرتنا على الصمود في وجه الأعداء، خاصة أن الانتفاضة لم تنفجر، حسب أحد المحللين، الا بعدما أصيب الفلسطينيون بالضجر من شدة تهذيب القرارات العربية، وبعدما تأكد لهم أن الدبلوماسية ليست أكثر من لجوء عربي للتمييز بين العار والشجاعة.


وعتاب فلسطيني الداخل لنا. وجهرهم بمرارة خيبتهم بنا، نسمعهما بعبارات واضحة كلما قصدتهم الكاميرا، أمام دمار بيوتهم، فتصيح النساء الثكالى باكيات "أين العرب ؟ أين هم ليرونا؟".


وحدهم هؤلاء الثكالى واليتامى والمشردون والتائهون بين القرى، المهانون أمام الحواجز الإسرائيلية كل يوم، من حقهم، أن يقرروا وقف الانتفاضة أو الاستمرار فيها.


أما نحن، "حزب المتفرجين العرب"، الذين نتابع مآسيهم كل مساء، في نشرات الأنباء فعلينا ألا نبدأ منذ الآن في سباق المزايدات والاستعدادات لعقد المهرجانات بمناسبة إتمام العام الأول للانتفاضة. فليس هذا ما ينتظره منا من يشاهدوننا في فلسطين، بعيون القلب، بينما نشاهدهم بعيون الكاميرا.


وقرأت أن الروائي الراحل إميل حبيبي، لاحظ الميل العربي إلى الاحتفال السنوي بالإنتفاضةالأولى، (التي انطلقت سنة 1987) فتساءل قائلا : "إن الانتفاضة هي فعل مقارعة للاحتلال، فهل تريدون عمرا طويلا للاحتلال نحتفل به كل سنة باستمرار الانتفاضة؟".


ذلك أن الانتفاضة أصبحت وكأنها مبتغى في حد ذاتها، "والاحتفال بها" مساهمة فيها، بينما هي وسيلة نضال يراد منها الوصول إلى مكاسب وطنية. وهو ما يختصره قول محمود درويش في الماضي، " الانتفاضة ليست مهنة".


ولذا، على الذين يفكرون في امتهان "الانتفاضة" لبضعة أيام في السنة، أن يوفروا جهدهم وأموالهم، لمعالجة المئات من جرحاها، والتكفل بإعالة الآلاف من ضحاياها. فبهذا وحده نختبر صدقهم، وبالإحسان لعائلات الشهداء. وليس بالكلام عن ضحاياهم ينالون ثوبا وأجرا عند الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:11 pm

18- الجنة.. في متناول جيوبهم


على الذين لا قدرة لهم على صيام أو قيام شهر رمضان، أو المشغولين في هذا الشهر الكريم عن شؤون الآخرة بشؤون دنياهم، ألا ييأسوا من رحمة اللَّه، ولا من بدع عباده، بعد أن قررت ربّـة بيت إيطالية، أن تدخل الحياة العملية بإنشاء "وكالة للتكفير عن الذنوب" اسمها "الجنة".

وهذه الممثلة السابقة، التي لم تتجاوز السادسة والعشرين من عمرها، تدير "الجنة" من منزلها، كما تدير إحدانا مطبخها، أو شؤون بيتها فإلى جانب تربيتها أولادها، فإنها تؤدي فريضة الصلاة نيابة عن كل الذين لا وقت لهم لذلك، بسبب الإيقاع السريع لحياتهم، فتصلي وتتضرّع إلى اللَّه داعية لهم بالغفران، حسب طلبهم ومقدار دفعهم ولقد نجحت في إقناع بعض المشاهير بالتكفُّل بإنقاذ أرواحهم، التي لا وقت لهم للعناية بها، نظراً لانشغالهم بصقل أجسادهم واستثمارها.

وهذا ما يذكّرني بجاهلية ما قبل الإسلام، إذ جرت العادة أن يستأجر ذوو الفقيد ميسور الحال، ندّابات ونائحات ليبكين فقيدهم الغالي بمقدار الكراء وسخاء العائلة المفجوعة، وهي عادة ظلّت حتى زمن قريب، جارية في بعض البلاد العربية، حيث تتبارى الندّابات في المبالغة في تمزيق ثيابهن ونتف شعورهن، ولطم خدودهن على ميّت لا قرابة لهن به ومن هنا جاء المثل الجزائري القائل "على ريحة الريحة خلاَّت خدودها شريحة".

ولقد حدث لأخي مراد، المقيم في الجزائر، ونظراً لحالة الإحباط التي يعاني منها، لكونه الوحيد الذي تعذّر عليه الهروب خارج الجزائر وبقي رهينة وضعه، ورهينة أمي، أن أجابني مازحاً بتهكّم أسود يميّز الجزائريين، كلّما سألته عن أخباره، أنه مشغول بجمع مبلغ بالفرنك الفرنسي ليدفعه لمن هو جاهز ليبكيه بالعملة الصعبة، نظراً لأن دموع الجزائري كعملته فقدت من قيمتها، قبل أن يضيف ساخراً "المشكل.. أنَّ عليَّ أن أدفع لشخص ثانٍ، كي يتكفّل بالتأكد من أنه يبكيني حقاً.. وليس منهمكاً في الضحك عليّ" ولقد فكّرت في أن أطلبه لأُخبره بأمر هذه الوكالة، في حالة ما إذا أراد يوماً، أن يستأجر أحداً ينوب عنه في الصلاة والصوم، والفرائض التي تشغل نصف وقته.

وهذه السيدة الإيطالية ليست أول من ابتدع فكرة دفع المال، طلباً للمغفرة فلقد شاعت لدى مسيحيي القرون الوسطى، ظاهرة "صُكوك الغفران"، وشراء راحة الضمير بمبلغ من المال، لدى الذين نصّبوا أنفسهم وكلاء للَّه في الأرض، وراحوا باسم الكنيسة يبيعون للتائبين أسهماً في الجنة، حسب قدرتهم على الدفع.
وهو ما أوحى للمغني المشهور فرانك سيناترا، بأن يعرض قبل موته على البابا، مبلغ مئة مليون دولار، كي يغفر له ذنوبه ويسمع اعترافاته، برغم توسُّـل زوجته أن يعيد النظر في التخلِّي عن نصف ثروته لهذاالمشروع، نظراً لمرضه وإدراكه عدم استطاعته أخذ هذا المال معه، هو الذي بحكم علاقته مع المافيا، خزّن من المال في حساباته، بقدر ما خزّن من خطايا في صدره والهوس بالآخرة والاستعداد لها بالهِبات والصلوات، مرض أميركي يزداد شيوعاً كلّما انهارت رهانات المجتمع الأميركي على المكاسب الدنيوية وفي استفتاء قامت به إحدى المؤسسات الجادة، ورد أن 9 أميركيين من 10 يعتقدون بوجود السماوات والحساب يوم القيامة، ويثق %47 من أصحاب الهررة والكلاب، بأن حيواناتهم المفضلة سترافقهم إلى الجنة، وهم يثقون تماماً بدخولها، ربما بسبب ما أغدقوه على هذه الحيوانات، نكاية في سكان ضواحي العالم، الذين شاء لهم سوء طالعهم أن يُولدوا في "معسكر الشرّ".
وعندما نقرأ التقرير الذي صدر في جنيف عن الأمم المتحدة، الذي جاء فيه أن ما ينفقه الأميركيون سنوياً، لإطعام حيواناتهم الأليفة يكفي لتزويد العالم بأسره بالمياه، وتأمين نظام صحي للجميع، نفهم انتشار وكالات التكفير عن الذنوب في أميركا، ونجد تفسيراًلاستفتاء آخر جاء فيه، أن خمسين مليون أميركي بالغ يعانون من الأرق والتوتر.. وقلّــة النــوم !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:11 pm

19- الحب أعمى.. لا تحذر الاصطدام به



كلّما رُحـــت أُوضّب حقيبتي لأيِّ وجهة كانت، تذكّرت نصيحة أندريه جيد: “لا تُهيئ أفراحك”، وخفت إن أنا وضعت في حقيبتي أجمل ثيابي، توقُّعاً لمواعيد جميلة، وأوقات عذبــة، قد تهديني إياها الحياة، أن يتسلّى القَدر بمعاكستي، وأشقى برؤية ثيابي مُعلَّقة أمامي في الخزانة، فيتضاعف حزني وأنا أجمعها من جديد في الحقيبة إيّاها من دون أن تكون قد كُوفِئَت على انتظارها في خزائن الصبر النسائي، بشهقة فرحة اللقاء·· و”الرقص على قدميـ(ـه)”، حسب قول نــزار قباني·


مع الوقت، تعلّمت أن أفكَّ شفرة الأقدار العشقية، فأُسافر بحقيبة شبه فارغة، وبأحلام ورديّة مدسوسة في جيوبها السرّية، حتى لا يراها جمركيّ القدر فيحجزها في إحدى نقاط تفتيش العشّاق على الخرائط العربية·


بتلك الثياب العادية التي لا تشي بأي نوايا انقلابية، اعتدت أن أُراوغ الحياة بما أُتقنه من أدوار تهويميّة تستدعي من الحبّ بعض الرأفـــة، فيهديني وأنا في دور “سندريللا” أكثر هداياه سخاءً·


ذلك أنّ الحـبَّ يحبُّ المعجزات· ولأنّ فيه الكثير من صفات الطُّغاة ·· فهو مثل صدّام (حسب شهادة طبيبه) “يُبالغ إذا وهب، ويُبالغ إذا غضب، ويُبالغ إذا عاقب”· وكالطُّغاة الذين نكسر خوفنا منهم، بإطلاق النكات عليهم، نحاول تصديق نكتة أنّ الحب ليس هاجسنا، مُنكرين، ونحنُ نحجز مقعداً في رحلة، أن يكون ضمن أولويات سفرنا، أو أن يكون له وجود بين الحاجات التي ينبغي التصريح بها·


يقول جــان جـاك روسو: “المرأة التي تدَّعي أنها تهزأ بالحبّ، شأنها شأن الطفل الذي يُغني ليلاً كي يطرد الخوف عنه”·


من دون أن أذهب حدّ الاستخفاف بالحبّ، أدَّعي أنني لا آخذه مأخذ الجدّ·


في الواقع، أبرمت ما يشبه مُعاهدة مُباغتة بيني وبين الحبّ، وأن يكون مفاجأة أو “مفاجعة”· فهو كالحرب خدعة · لــذا، أزعــم أنني لا أنتظر من الحب شيئاً، ولا أحتاط من ترسانته، ولا ممّا أراه منهمكاً في إعداده لي، حسب ما يصلني منه من إشارات “واعـــدة”، واثقة تماماً بأنّ أقصر طريق إلى الحب، لا تقودك إليه نظراتك المفتوحة تماماً باتِّساع صحونالدِّش” لالتقاط كلّ الذبذبات من حولك، بل في إغماض عينيك وترك قلبك يسير بك·· حافياً نحو قدرك العشقيّ· أنتَ لن تبلغ الحب إلاّ لحظة اصطدامك به، كأعمى لا عصا له·


وربما من هذا العَمَـى العاطفي الذي يحجب الرؤيــــة على العشّاق، جــاء ذلك القول الساخــر “أعمــى يقــود عميـــاء إلى حفـرة الزواج”· ذلك أنّه في بعض الحالات، لا جدوى من تنبيه العشّاق إلى تفادي تلك المطبّات التي يصعب النهوض منها·



ثــمَّ، ماذا في إمكان عاشق أن يفعل إذا كان “الحب أعمى”، بشهادة العلماء الذين، بعد بحث جاد، قام به فريق من الباحثين، توصَّلوا إلى ما يؤكِّد عَمَى الْمُحب· فالمناطق الدماغيّة المسؤولة عن التقويمات السلبية والتفكير النقدي،تتوقف عن العمل عند التطلُّع إلى صورة مَن نحبّ · ومن هذه النظرة تُولدُ الكارثة التي يتفنن في عواقبها الشعراء·


وبسبب “الأخطــــار” التي تترتَّب عليها، أقامت محطة “بي·بي·سي”، بمناسبة عيد العشّاق، مهرجاناً سمَّته “مهرجان أخطار الحب،استعرضت فيه كلَّ “البــــلاوي” والنكبـــات، التي تترتَّــب على ذلك الإحساس الجــارف، من إفلاس وانتحار وفضيحة وجنون ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سندرلا
..::مستشارة إدارية::..
..::مستشارة إدارية::..
avatar

انثى
عدد المساهمات : 284

مُساهمةموضوع: رد: أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة   19/12/10, 09:12 pm

20- الطاغية ضاحكاً في زنزانته




إن لم تكن هذه إهانة للعرب جميعاً، واستخفافاً بهم، فما الذي يمكن أن يكون هذا الذي يحدث في العراق، على مرأى من عروبتنا المذهولة؟


وإن لم تكن هذه جرائم حرب، تُرتكب باسم السلام، على أيدي مَن جاؤوا بذريعة إحلاله، فأحلّوا دمنا، واستباحوا حرماتنا، وقتلوا مَن لم يجد صدّام الوقت للفتك به، وعاثوا خراباً وفساداً وقصفاً ودماراً في وطن ادَّعوا نجدته، فما اسم هذا الموت إذن؟ ولِمَ كلّ هذا الدمار؟


لا تسأل· لايليق بك أن تسأل· فأنت في كرنفال الحرية، وأنت تلميذ عربي مبتدئ، يدخل روضة الديمقراطية، تنتمي إلى شعوب قاصرة، اعتادت بذل الدم والحياة، ونحر خيرة أبنائها قرباناً للنزوات الثورية للحاكم، ودرجت على تقديم خيراتها للأغراب·


مَن يأتي لنجدتك؟ وإلى مَن تشكو مَظلَمتك؟


الشعوب التي لا قيمة للإنسان فيها، التي تفتديبالروح وبالدم” جلاَّديها، لن يرحمها الآخرون·


والشعوب التي لا تُحاسب حاكمها على تبذيره ثروتها، وعلى استحواذه هو وأولاده على دخلها، تُجيز للغرباء نهبها·


والأُمم التي ليست ضدّ مبدأ القتل، وإنما ضدّ هويّة القاتل، يحقّ للغزاة الذين استنجدت بهم، أن يواصلوا مهمة الطُّغاة في التنكيل بها، والتحاور معها بالذخيرة الحيَّة·


هي ذي دولة تبدأ أولاً باحتلالك، لتتكرَّم عليك، إن شاءت،بالحريّة، وتُباشر تجويعك وتسريحك من عملك، لتمنّ عليك بعد ذلك بالرغيف والوظيفة· لايمكن أن تُشكك في نواياها الخيرية· لقد باعت ثرواتك من قبل أن تستولي عليها،وتقاسمت عقود المنشآت حتى قبل أن تُدمّرها·


أنت مازلت تحبو في روضة الحرية، تعيش مباهج نجاتك من بين فكّي جلادك، لا تدري أنّ فرحتك لن تدوم أكثر من لحظة مشاهدتك سقوط صنمه ذاك، وأنّ عليك الآن أن تدفع ثمن سقوط الطاغية، بعد أن دفعت مدّة ثلاثين سنة ثمن صعوده إلى الحكم·


وهكــذا يكون طُغاتنا، وقد أهدروا ماضينا، نجحوا في ضمان كوارثنا المستقبلية، وجعلونا نتحسّر عليهم ونحنُّ إلى قبضتهم الحديدية، ونشتاق إلى قبوِ مُعتقلاتهم وبطش جلاّديهم، ونُقبِّل صورهم المهرَّبة على الأوراق النقدية،نكاية في صورة جلاَّدنا الجديد·· وأعلامه المرفوعة على دبابات تقصف بيوتنا·


منذ الأزل، لننجو من عدو، اعتدنا أن نتكئ على عدو آخر، فنستبدل بالطغاة الغزاة، وبالاستبداد الإذلال الأبشع من الموت·


ذلك أنّ الغزاة، كما الطُّغاة، لا يأتون إلاّ إلى مَن يُنادي عليهم، ويهتف باسمهم، ويحبو عند أقدام عرشهم، مُستجدياً أُبوّتهم وحمايتهم·


بعضنا صدّق دعابة السيد بــاول، وهو يُصرِّح ليتامى صدّام، يوم سقوط الصنم: “حياة أجمل تنتظر العراقيين·· نحنُ هنا جئنا بالحرب لنهيئ السلام”·


وهي نكتة زاد من سخريتها السوداء، تصريح بوش، رئيس معسكر الخير، ونائب السيد المسيح على الأرض، حين بشَّر سكَّان الكرة الأرضية، بلهجة تهديدية، قائلاً،وهو واثق الخطوة يمشي ملكاً: “نحنُ مَن يقود العالم إلى مصير أفضل”·


في الواقع، كان صدّام أكثر منه ثقة ومصداقية، حين قال وهو يلهو بإطلاق رصاص بندقيته في الهواء: “مَن يريد العراق سيأخذه منا أرضاً بلا بشر،


إنه الآن في معتقله كأسير حرب (لا كمجرمها أو مُدبّرها) العراقي الأكثر أماناً وتدليلاً·


في إمكانه أن يضحك مــلء شاربيه، على شعب تمرَّد على أُبوّته، ويتخبّط الآن في وحول الحرية ومذابح الديمقراطية، يترك أبناؤه دمهم عالقاً بشاشاتنا في كل نشرة أخبار، وتبقى عيون موتاه مفتوحة، حتى بعدما نطفئ التلفاز، تنظر إلينا سائلة “لماذا؟”·
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
أحلام مستغانمي .. الكاتبة الجزائرية المتميزة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
..:: منتدى أقلام الجزائر ::.. :: أسرار أساسيات الحياة :: منتدى الأدب والشعر :: أدباء، شعراء وروائيين-
انتقل الى: